رفع الكتب والرسل والآداب فساد التدبير والرجوع إلى قول أهل الدهر .
انتهى كلامه .
فان قلت : أليست العامة والضعفاء مكلفين بالصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد وأداء الأمانات وإقامة الشهادات وحضور الجمعة والجماعات وغير ذلك من الأمور الاسلامية التي كلفت بها علامة الناس ؟ فكيف قال الجامع لهذا الكتاب من أنه وضع عنهم التكليف إذ خلقهم خلقة غير محتملة للأدب والتعليم ؟
قلت : لو نظرت حق النظر فيهم وفي أحوال نفوسهم الناقصة لعلمت ان تكاليفهم بهذه الأمور مما يجب على السائس ، لان فائدتها لهم لا يتعدى هذه النشأة الظاهرة ، وهي من باب السياسات الحيوانية الدنيوية التي تنتظم بها أمور المعاش للجميع وينصلح بها أحوال المعاد لمن كان من أهله ، وبالحقيقة انما يجب على الامام السائس ضبطهم وتكليفهم وسياستهم بما فيه صلاح أمورهم لئلا يكونوا معطلين مهملين مسلمين عن الخطاب كسائر الدواب .
وأيضا لما كان جميع افراد الناس متماثلة في صورة البشرية غير متميزة في ظاهر الحس وانما الاختلاف بينهم في قبول السعادة وعدمه بحسب البواطن والضمائر ، والدنيا دار الاشتباك والاختلاط والاشتباه والآخرة دار الامتياز والافتراق كما قال تعالى :
يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ
( الروم - 14 ) ، وقوله :
لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ ( جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ ) فِي جَهَنَّمَ
( الأنفال - 37 ) . . . الآية .
فعلى هذا يجب ان يكون التكليف بالأمور الاسلامية والاحكام السياسية عامة للجميع ، واما الّذي يحصل به السعادات الأخروية من العلوم الحقيقية والمعارف الإلهية التي يختص بدركه أهل الصحة والسلامة فليس المكلف بها الا هذا القسم خاصة .
فعلم مما ذكرنا ان أنواع الناس بحسب العاقبة خمسة : لأنها بالقسمة الأولى التي ذكرها الجامع قسمان ، ثم إن القسم الثاني قسمان : اما أهل النبوة والولاية ومن في درجتهم من القرب عند اللّه والاخذ منه بلا واسطة ، واما غيرهم ، والثاني ثلاثة أقسام كما في هذا الحديث : أحدها المؤمن وهو العارف بأئمة الدين الاخذ منهم التابع لهم