تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح أصول الكافي — صفحة 559

مساهمون:

ص٥٥٩
الانسان في مقام القرب بحيث يرى الأشياء كما هي بنور الحق تعالى ويحيط بها علما وعينا ويستغنى به تعالى عما سواه ، ذلك بصيرورة نفسه مترقية إلى الحضرة الإلهية موضوعة لهيئة الوجود كله على وجه عقلي مقدس عن النقص والقصور من صورة عالم عقلي يوازى العالم الحسى المثالي كله ، وجنة عقلية يحاذى جنة عرضها السماوات والأرض ، وعقله المنور بنور اللّه عز وجل محيطا بها متصرفا فيها كيف يشاء بمشية ربه ، فيسرى حكمه في الملك والملكوت بحكم ربه لكونه مستغرقا في بحر أحديته باقيا ببقائه فضلا عن ابقائه . وهذا هو الملك العظيم الّذي لا أعظم منه في حق المقربين من الأنبياء العظام والأولياء الكرام ، وإلى هذا المقام أشار أمير المؤمنين وسيد الموحدين علي عليه السلام فيما نسب إلى نفسه الشريفة من الأمور الإلهية والافعال الربانية . واما الملك العظيم في حق عامة أهل الاسلام فغاية ما يتصور في حقهم منه هو الطاعة المفترضة للامام لكونها توجب لهم الفوز بالجنة التي فيها ما تشتهى أنفسهم وتلذ أعينهم وهم فيها خالدون ، فهذا هو الملك العظيم والنعيم المقيم في حق المقلد في المعرفة والتابع في العبودية للامام العارف بالحق الناهج سبيل اللّه بالشهود المطلق . والسر في ذلك : ان الآخرة نشأة علمية ودار حيوانية ولا يمكن الوصول إليها الا بالعلم والايمان ، ونسبة المقلد في العلم إلى العارف البصير كنسبة القالب إلى الروح والظل إلى ذي الظل والقشر إلى اللب والشبح إلى الأصل ، فيصيب المقلد والاتباع من كل ما هو يصيب القائد المطاع قشر من اللب وظل من النور وشبح من الأصل ، ولان صور الأجسام والأمثال المحسوسة تابعة في وجوداتها لصور العقليات ، فالملك الحقيقي والجنة المعنوية للأئمة الهدى عليهم السلام والملك الحسى والجنة الجسمانية للمقلدين التابعين . فاعلم واغتنم . ثم إن أصل الآية قوله تعالى :
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً
، وسنعود إلى تفسيرها في الحديث