وما ذكره قريب من الحق .
ثم إن القائلين بالقول الأول اختلفوا في ان الذين هم على الأعراف من هم ؟ ولقد كثرت الأقوال فيه وهي مع كثرتها محصورة في قولين : أحدهما ان يقال : انهم الاشراف من أهل الطاعة والثواب ، والثاني ان يقال : انهم أقوام يكونون في الدرجة السافلة من أهل الثواب ، اما على تقدير الأول ففيه وجوه :
أحدها قال أبو مجاز « 1 » : هم ملائكة يعرفون أهل النار ، فقيل له : قال تعالى :
وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ
، فقال « 2 » : الملائكة ذكور لا إناث فيكونون رجالا ، ولقائل ان يقول :
الوصف بالرجولية انما يحسن في الموضع الّذي في « 3 » مقابلة الرجل من تكون أنثى ، ولما امتنع ان يكون الملك أنثى امتنع وصفهم بالرجولية .
وثانيها قالوا : انهم الأنبياء ، عليهم السلام اجلسهم اللّه على أعالي ذلك السور تميزا « 4 » لهم عن سائر أهل القيامة واظهارا لشرفهم وعلو مرتبتهم ، واجلسهم اللّه على ذلك المكان العالي ليكونوا مشرفين على أهل الجنة والنار ، مطلعين على أحوالهم ومقادير ثوابهم ، وفيه ما سيأتي من منافاة حالهم في الآخرة لذلك .
وثالثها قالوا إنهم هم الشهداء لأنه تعالى وصف أصحاب الأعراف بأنهم يعرفون كل واحد من أهل الجنة وأهل النار ، ثم قال : قوم انهم يعرفون أهل الجنة يكون وجوههم ضاحكة مستبشرة وأهل النار بسواد وجوههم وزرقة عيونهم . وهذا الوجه باطل ، لأنه تعالى خص أهل الأعراف بأنهم يعرفون كل أحد من الطائفتين بسيماهم ، ولو كان المراد ما ذكروه لما بقي لأهل الأعراف اختصاص بهذه المعرفة ، لان كل أحد من أهل الجنة وأهل النار يعرفون هذه الأحوال .
ولما بطل هذا الوجه ثبت ان المراد بقوله :
يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ
هو انهم كانوا
هامش
( 1 ) أبو مجلز « التفسير » .
( 2 ) وتزعم أنهم ملائكة ؟ فقال . . . « التفسير » .
( 3 ) يحصل في « التفسير » .
( 4 ) تمييزا « التفسير » .