إلى عالم الغيب وهو مدخل الالهام والوحي ووجه إلى عالم الحس والشهادة ، والّذي يظهر منه في الوجه الّذي يلي جانب الشهادة ومن أبوابها الحسية لا يكون إلا صور متخيلة ، لان عالم الشهادة كلها متخيلات وهميات ، لان الخيال كما مر تارة يحصل من النظر إلى ظاهر عالم الشهادة بالاحساس فيجوز ان لا يكون الصورة على وفق المعنى ، حتى يرى شخص جميل الصورة خبيث الباطن قبيح السر لان عالم الشهادة كثير التلبيس .
اما الصورة التي تحصل في الخيال من النظر إلى عالم الغيب ومن اشراق عالم الملكوت العلوي على باطن سر القلب فلا يكون الا محاكيا للأمور الإلهية وما ينبعث من جهة القدس ويكون الصورة موافقة للمعنى ، لان الصورة في عالم الملكوت تابعة للمعنى والصفة ، فلا جرم يرى المعنى الحسن كالملك في صورة جميلة حسنة ويرى المعنى القبيح كالشيطان في صورة قبيحة كالحية والكلب والخنزير ، ويكون تلك الصور عنوان المعاني ، ولذلك يدل القرد والخنزير في المنام على انسان خبيث الباطن ويدل الشاة على انسان سليم الجانب وهكذا جميع أبواب التعبير والتأويل ، وهاهنا اسرار عجيبة تضيق المقام عن كشفها والافهام عن وصفها ،
قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ
( ص - 68 و 67 ) .
فقوله : يأتيه جبرئيل قبلا ، اى معاينة مشاهدة فيراه ويكلمه وهو عليه السلام يسمع كلامه بسمعه الحسى ، فان المعرفة العقلية إذا قويت أو اشتدت تصورت بصورة مطابقة لها وربما تعدت من معدن الخيال إلى مظهر خارجي كالهواء الصافي فيكون الهواء كالمرآة .
وقوله عليه السلام : واما النبي فهو الّذي يرى في منامه ، هذا مما يقع للنبي ولكن ليس من الخواص الشاملة التي لا يتحقق النبوة الا به ، حتى لو فرض ان أحدا كان عالما بالعلوم الإلهية والاسرار الربانية بحيث لم يكن أحد مثله وكان اعلم الخلائق ولكن لم يتفق ان يرى في المنام فمثله لا يكون نبيا ويكون تابعا سيما وقد يجيء في بعض أحاديث هذا الكتاب : ان الناس فيما قدم من الزمان لم يكن لهم رؤيا في