ولنرجع إلى المتن فقوله عليه السلام : النبي الّذي يرى في المنام ويسمع الصوت ولا يعاين الملك ، أراد بالرؤية الرؤية العقلية العلمية وبالسماع أيضا السمع العقلي وبالمنام النشأة الباطنة وبالصوت الكلام العقلي ، وذلك لأجل التفهيم والتعليم ، فان أكثر الناس يعجزون عن ادراك الأمور العقلية الا بصفة الأمور الحسية ، ويحتمل ان يكون مراده ما هو الظاهر من كلامه ، فيكون النبي يرى في منامه صورة ما ألهمه اللّه تعالى من العلوم والمعاني في كسوة الالفاظ والأصوات والحروف ويسمعها ، فحينئذ لا يكون هذه الخاصية من الخواص الشاملة للجميع ، وقوله : لا يعاين الملك ، اى في اليقظة .
وقوله : والرسول الّذي يسمع الصوت ويرى في المنام ويعاين الملك ، اى في اليقظة وإذا عاين الملك في اليقظة فكان سماع الصوت والكلام منه أيضا في اليقظة ، ووقوع ذلك ليس من جهة أسباب خارجية طبيعية بل هو بروز من مكامن الغيب إلى عالم الشهادة ، فان الّذي يرى بعين الخيال إذا قوى واشتد تمثله انفعل منه الحس الظاهر وتعدى إلى الخارج من غير أن يكون في مادة طبيعية ، وكذا ما يسمع بسمع الباطن إذا قوى ينفعل منه الاذن ويتعدى صورته إلى الكلام الظاهر كما مر .
وهاهنا مرتبة أخرى وهي ان يسمع الكلام في اليقظة ولا يعاين المتكلم ، وهذه كلها منشأها قوة التخيل والحس الباطن وهي من خواص الرسل عليهم السلام بشرط ان يكون من قبل اللّه ويكون وحيا بالعلوم الحقة وبما فيه مصالح العباد في المعاش والمعاد ، والا فالكهنة والرهابين وبعض كفرة الهند قد تلقى إليهم بالمغيبات ويسمعون الكلام يوحى إليهم الشياطين زخرف القول غرورا .
وقوله عليه السلام في باب الامام : يسمع الصوت ولا يرى ولا يعاين الملك ، أراد بسماع الصوت قبول الالهامات والتعليمات من اللّه بسمع عقلي من غير رؤية شيء في المنام ولا معاينة ملك في اليقظة ، وليس كلام اللّه وحديثه بالحقيقة الا اعلام الحقائق وإلهام الحق والصدق لتنزهه عن الالفاظ المسموعة والأصوات المحسوسة ، ثم تلى الآية وكان في مصحفهم عليهم السلام هكذا بزيادة « ولا محدث » .
شرح أصول الكافي — صفحة 444
مساهمون: محمد خواجوى
ص٤٤٤