والحق المعقول ، وعرفوا ان من ظن من الحشوية وجوب الجمود على التقليد واتباع الظواهر ما اتوا الا من ضعف العقول وقلة البصائر ، وان من تغلغل من المتفلسفة وغلاة المعتزلة في تصرف العقل حتى صادموا به قواطع الشرع ما اتوا إلا خبث الضمائر ، فميل أولئك إلى التفريط وميل هؤلاء إلى الافراط وكلاهما بعيدان عن الحزم والاحتياط ، بل الواجب المحتوم في قواعد الاعتقاد ملازمة الاقتصاد والاستبداد « 1 » على صراط المستقيم وكلا طرفي قصد الأمور ذميم ، وانى يصيب الرشاد من يقنع بتقليد الأثر والخبر وينكر مناهج البحث والنظر ، أو لا يعلم أنه لا مستند للشرع الا قول سيد البشر ، والبرهان العقلي هو الّذي عرف صدقه فيما اخبر ، وكيف يهتدى إلى الصواب من اقتفى محض العقل واقتصر وما استضاء بنور الشرع ولا استبصر .
فليت شعري كيف يفزع إلى العقل حين يعتريه العى والحصر ، أو لا يعلم أن حظى « 2 » العقل قبل ان يهتدى بنور الشريعة قاصرة وان مجاله ضيق مختصر ، هيهات هيهات ! خاب على القطع والبتات « 3 » ، وتعلق بأديان « 4 » الضلالات من لم يجمع بتأليف الشرع والعقل هذا الشتات ، فمثال البصر « 5 » السليم عن الآفات والادواء ومثال القران الشمس المنتشرة الضياء ، فاخلق بان يكون طالب الاهتداء المستغنى بأحدهما عن الاخر في غمار الأغبياء ، فالمعرض عن العقل مكتفيا بنور القرآن والخبر مثاله المعترض لنور الشمس والقمر مغمضا للأجفان فلا فرق بينه وبين العميان ، فالعقل مع الشرع نور على نور والملاحظة بالعين العوراء لأحدهما على الخصوص متبدل بجهل الغرور ، وقد اتضح لك أيها المتشوق إلى الاطلاع على اسرار قواعد الملة والدين المقترح تحقيق قوانين الشرع المبين وأركان عقائد المؤمنين بقواطع الحجج والبراهين مما لوحنا
هامش
( 1 ) والاستقامة والاستبداد - م .
( 2 ) رجل حظى ، إذا كان ذا حظوة ومنزلة . خطوة - م .
( 3 ) البتة : اسم المرة من بت وبتة وبتاتا : قطعا وبدون رجعة ولا عود .
( 4 ) بأذيال - م .
( 5 ) البصر خبر قوله : فمثال .