تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح أصول الكافي — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩
إليه ونبهناك عليه مما ذكرناه في شرحنا لأحاديث الكتابين السابقين انه لم يتيسر بالتوفيق للجمع بين الشرع والتحقيق فريق سوى هذا الفريق لاقتباسهم أنوار العلم والحكمة من مشكاة النبوة والولاية واتباعهم مناهج الأئمة وأصحاب العصمة ، فاشكر اللّه سبحانه على اقتفائك لآثارهم واهتدائك بانوارهم وانخراطك في مسلكهم وغمارهم واختلاطك بفرقتهم فعساك تحشر في زمرتهم . واعلم أن للّه حجتين : حجة ظاهرة مكشوفة وحجة باطنة مستورة ، فالظاهرة على أبدان الناس وأهل الحواس والباطنة للخواص وأهل العقول الزكية ، فان المعجزة المحسوسة يؤثر في نفوس العوام ما لا يؤثر فيها الف من الحجج والبراهين ، والبرهان العقل الواحد يفعل في الخواص ويفيد لهم في باب الاعتقاد باللّه والايمان ما لا يفعل الف معجزة مثل قلب العصا الثعبان ، والايمان المنعقدة بالمعجزة دين العوام واللئام ، وأكثر من آمن بموسى عليه السلام بسبب المعجزة انحلت عقيدته بما صنعه السامري من الشعبذة ، وقد مر في الحديث العشرين من كتاب العقل مما يفيد ما ادعيناه . فاذن الأنبياء والأولياء بمعجزاتهم وكراماتهم حجج اللّه على خلقه وشهدائه عليهم ، ولكن البراهين العقلية والأنوار الإلهية حجج اللّه على ذواتهم وبواطنهم كما قال تعالى :
وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ . إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ
( الانعام - 83 ) ، وتلك الحجة النورية هي المسماة بالهدى في قوله تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ
( الانعام - 90 ) ، وإليه الإشارة بقوله :
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي
( يوسف - 108 ) ، واتباع الأنبياء ومصدقوهم قسمان : منهم من تبعهم وصدقهم من طريق الحكمة والبرهان ومنهم من تبعهم وصدقهم من طريق المجادلة بالسيف والسنان ، قال تعالى :
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
( النحل - 125 ) ، فالحكمة والموعظة لقوم والمجادلة لقوم آخرين ، ومن ينتفع ويذعن بالمجادلة لا ينتفع ولا يذعن بالحكمة وبالعكس . فهذا كتاب الحجة والمقصود فيه اثبات ان الناس مضطرون إلى الحجة وان