من هذه الدار إلى الآخرة ، وجميع هذه الصور الملذة الجنانية ومقابلاتها هي من نتائج الأعمال الصالحة أو السيئة لتلك الأرواح والنفوس بمنزلة الأضواء والظلال اللازمة إياها من غير مشاركة سبب خارجي أو مدخلية امر اتفاقي ، وقد أوضحنا ذلك في مباحث المعاد من كتبنا ، وهذا معنى قوله تعالى :
الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ
( الحج - 56 ) ، وقوله :
لا ظُلْمَ الْيَوْمَ
( غافر - 17 ) ، وغير ذلك من الآيات الكثيرة المشيرة إلى هذا المعنى .
فإذا تقررت هذه المقدمات فنقول : ان معنى المؤمن كما يستفاد من اطلاقات لسان الشريعة هو العارف باللّه ورسله وكلماته وآياته ويكون مرجعه إلى اللّه وملكوته ، وهذا المعنى لا يتحقق الا باستكمال ذاته بالعلوم الحقيقية الدائمة التي لا يتغير ولا ينقطع ، والعلوم الدائمة لا يمكن ان يحصل الا بالأسباب الدائمة ، إذ سبب الشيء لا يمكن ان يكون انقص وجودا من ذلك الشيء ، وكل سبب لا يدوم بدوامه الشيء فهو سبب عرضى غير حقيقي .
فالسبب للعلوم الدائمة لا بدان يكون من الأمور الإلهية والبراهين الدائمة وذلك لا يمكن الا بإفاضة اللّه اما بذاته أو بتوسط ما هو من ذاته دائما بدوام ذاته ، فكل ما ليس كذلك ، فلا تعويل للمؤمن عليه ويكون حكمه حكم وليجة دون اللّه من رواية أو سماع أو قياس أو بدعة أو تقليد أو إجازة أو كتابة أو مناولة كتاب ، ولكن الّذي اثبته القرآن أو افاده الرسول صلى اللّه عليه وآله ليس بمنقطع لأنها أمور برهانية جاءت من قبل اللّه وكلماته ،
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً
( الكهف - 109 ) .