الشرح
الوجه في هذا الانحصار : ان العلوم الحقيقية التي لا يتغير بتغير الأزمنة واتفقت الأديان عليها ولا خلاف لاحد من أهل الحق فيها ، اما الغاية فيها مجرد العلم أو العمل بموجبه ، والأول اما متعلق بأحوال المبدأ أو بأحوال المعاد ، والثاني اما المطلوب فيه اقتناء فضيلة أو اجتناب رذيلة ، فهذه أربعة أقسام .
فقوله عليه السلام : أولها ان تعرف ربك ، إشارة إلى اوّل « 1 » قسمي الحكمة النظرية من العلوم العقلية ويندرج فيه البحث عن معرفة ذات اللّه ووحدانيته ومعرفة صفاته العلياء وأسمائه الحسنى ومعرفة آثاره وافعاله وقضائه وقدره .
وقوله عليه السلام : والثاني ان تعرف ما صنع بك ، إشارة إلى ثاني « 2 » قسمي الحكمة النظرية منها ويندرج فيه معرفة النفس وأحوالها ومقاماتها ومعرفة ما تعود إليه وتنشأ منها ، وكيفية نشو الآخرة من الدنيا ومعرفة القبر والبعث والصراط والحساب والميزان والثواب والعقاب والجنة والنار . فان جميع هذه الأمور مما صنعه اللّه تعالى بالنفس الانسانية وفيها ومنها ، وليس شيء منها خارج عن ذات النفس .
وقوله عليه السلام : والثالث ان تعرف ما أراد بك ، إشارة إلى اوّل قسمي الحكمة العملية منها ويندرج فيها معرفة جميع الفضائل النفسانية ليمكن اكتسابها ، وهي المنجيات من الاخلاق والملكات كالعلم والكرم والجود والشجاعة والعفة والتوبة والصبر والشكر والتوكل والرضاء وما يجرى مجراه .
وقوله عليه السلام : والرابع ان تعرف ما يخرجك عن دينك ، إشارة إلى ثاني قسمي الحكمة العملية ويندرج فيه معرفة الرذائل النفسانية ليمكن التبري عنها ، وهي اما اعدام تلك الفضائل أو اضدادها ، فالأولى كالجهل البسيط والخمول والبلاهة والجبن ونحوها ، والثانية كالجهل المركب والفجور والمكر والتهور والحرص والعصبية والعناد والكبر والعجب والحسد وغير ذلك ، ومن اجتمعت فيه هذه الفضائل
هامش
( 1 ) اى علم المبدأ .
( 2 ) اى علم المعاد .