وقد قيل : ان تدوين الحديث من المستحدثات في المائة الثانية من الهجرة ، ولا - يبعد ان يراد بالحفظ الحراسة عن الاندراس مما يعم الحفظ عن ظهر القلب والكتابة والنقل من الناس ولو من كتاب وأمثال ذلك ، وقد يقال المراد بحفظ الحديث تحمله على أحد الوجوه الستة المقررة في الأصول : اعني السماع من الشيخ والقراءة عليه والسماع حال قراءة الغير والإجازة والمناولة « 1 » والكتابة وبعده ظاهر .
أقول : ان للحفظ مراتب كثيرة وان مجامعها ثلاثة : أحدها حفظ صور الالفاظ على اقسامها المذكورة ، سواء كانت في الخيال أو في الكتابة ، وثانيها حفظ معانيها الأولية ومدلولاتها التي يصل إليها أكثر افهام الناس ، وثالثها حفظ معانيها العقلية وحقائقها العرفانية ، ولكل من الحفظة استحقاق اجر وثواب على حسب مقامه في الحفظ .
إذا ثبت هذا فنقول : الظاهر عند من له بصيرة قلبية ينظر إلى الأشياء بنور تلك البصيرة ان المراد بحفظ الأحاديث هاهنا الّذي يستحق بها الانسان ان يبعثه اللّه تعالى يوم القيامة عالما فقيها هو الحفظ بالمعنى الثالث ، واما غير ذلك من اقسام الحفظ فلا يبعد ان يترتب عليه اجر وثواب ولكن ثوابه من قبيل ثواب الأعمال البدنية ونحوها ان كان مع قصد التقرب ، سنزيدك إيضاحا لهذا المطلب ان شاء اللّه .
وفي رواية : من حفظ على أمتي ، الظاهر أن على بمعنى اللام ، اى حفظ لأجلهم كما قالوه في قوله تعالى :
وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ
( البقرة - 185 ) ، اى لأجل هدايته إياكم ، ويحتمل ان يكون بمعنى من كما قيل في قوله تعالى :
إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ
( المطففين - 2 ) ، ويؤيده ما في الروايات من حفظ من أمتي .
قوله عليه السلام : من أحاديثنا ، اى الأحاديث التي اخذت منا أهل البيت ، وفيه إشارة إلى أن تلك الأحاديث مما فيه زيادة اختصاص وفضيلة ليس في غيرها مما روته العامة .
ويؤيد هذا ما رواه الصدوق عن أبي عبد اللّه عليه السلام أنه قال : حديثنا صعب
هامش
( 1 ) اى مناولته إياه كتابا يروى عنه ما فيه ، كما قال الشارح قدس سره في الحديث السادس في باب رواية الكتب ، الّذي بعد هذا الباب