كان حاصل علومهم مجرد حفظ الأقوال المشهورة وضبط الأحاديث والروايات ، أو القدرة على مجادلة الخصومات بايراد المقدمات الجدلية والأبحاث الكلامية . وكل ذلك ليس بعلم حقيقي ، انما العلم بالحقيقة نور يقذفه اللّه في قلب المؤمن كما ورد في الخبر ، وذكر في مواضع من القرآن باسامى مختلفة من الحكمة والهدى والفضل والنور وغير ذلك .
فالمقسم الصادق على القسمين هو المعنى الأعم من الحقيقي والرسمي ، أو المراد منه العلم المتعلق بالاعمال وكيفيتها وأحوالها وهو المشهور بين الناس ، والعالم به ، ان عمل بعلمه فهو ناج وان لم يعمل به ، فهو هالك .
فالعلماء قسمان : علماء الآخرة وعلماء الدنيا ، فالأول ناج والاخر هالك ، واما العالم الحقيقي والعارف الرباني فهو خارج عن القسمين ولا يكون هالكا ابدا ولا يكون الا ناجيا ، وانه بحيث إذا وقع منه زلة أو ذنب يكون سريع التذكر والاستغفار لربه كثير التضرع إليه شديد التشوق إلى عالم الآخرة والرجوع إلى الحق تعالى .
واما العالم الرسمي فهو أيضا ناج ان كان قصده من علمه منحصرا في طلب الآخرة والنشأة الباقية والزلفى عند اللّه ومجاورة الملائكة ، واما ان كان قصده من العلم الدنيا ولذاتها والجاه والشهرة فهو لا يكون الا هالكا ، وسنشير إلى السبب العقلي والوجه اللمى في ذلك .
قوله عليه السلام : وان أهل النار يتأذون عن ريح العالم التارك لعلمه ، اعلم أنه قد وردت في العلماء السوء اعني علماء الدنيا تشديدات عظيمة دلت على أنهم أشد الناس عذابا يوم القيامة . فمن المهمات العظيمة معرفة العلامة الفارقة بين علماء الدنيا وعلماء الآخرة ، اما التي وردت من الاخبار ، فمنها ما في طريق أصحابنا كهذا الحديث والتي يتلوه في هذا الباب والتي في مواضع أخرى من هذا الكتاب ، ومنها ما ذكر في الكتب المشهورة فقد روى فيها عن النبي صلى اللّه عليه وآله أنه قال : أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه اللّه بعلمه وقال أيضا : العلم علمان : علم على اللسان ، فذلك حجة
شرح أصول الكافي — صفحة 211
مساهمون: محمد خواجوى
ص٢١١