ما ليس كذلك بل صورة ذاته له لا لشيء اخر ، حقيقة ذاته مجردة عن اللبوسات الحسية والغواشي المادية ، فالقسم الأول كعالم الدنيا وكل ما فيها والقسم الثاني عالم الآخرة وعالم الملكوت .
إذا تقرر هذا فنقول : شأن العالم الحكيم ان ينظر أولا في الموجودات التي في هذا العالم ، ويعرف حقيقة كل نوع من الجمادات والنباتات واقسام الحيوانات ، ويفرق بين ذاتياتها وعرضياتها ويجرد صورة ذاتها ولب حقيقتها عن ما يلابسها من القشورات والغواشي الغريبة . ثم ينظر في أسبابها وعللها وغاياتها ومنافعها فيعرف بها موجدها الحقيقي ومسبب أسبابها فيستكمل ذاته بتلك المعارف والصور العقلية فيصير كأنها اجزاء ذاتها ، ثم ينتقل منها ويترقى بذهنه إلى عالم الربوبية مشاهدا هناك لتلك الحقائق الصافية عن الكدورات المطهرة عن الأدناس والظلمات ، مسافرا من الخلق إلى الحق .
فإذا كان الامر كذلك فلكل موجود مما في عالم الأرض وبقاعها رابطة معنوية وحنو ذاتي وانجذاب طبيعي إلى ذات العالم لما علمت من كون بواطنها وأرواحها متصلة به ، إذ كل ما في هذا العالم له حقيقة روحانية بها يسبح للّه تعالى ويحمده ، فإذا مات المؤمن العارف ، اى صعد روحه إلى العالم الا على بكت عليه الملائكة الأرضية وأهل البقاع الأرضية ، لان هوياتها الجزئية من جنس ما يصحبه من الهويات الروحانية ، وكذا أبواب السماء اى طبائعها ونفوسها التي يصعد إليها اعمال بني آدم اى نتائج اعمالها وافعالها وغاية علومها وأفكارها التي لا يزيد على ذاتها وكمالات ذاتها .
واما قوله عليه السلام : وثلم في الاسلام « آه » « 1 » فوجهه كما مرت سابقا الإشارة إليه : ان الاسلام عبارة عن مجموع اعتقادات عقلية وقوانين كلية معلومة بالبراهين . وأهل الاسلام ، اما عارفون بهذه الاعتقادات عرفانا عقليا أو كشفيا ، أو متلقفون تقليدا ورسما ، والاعتقاد التقليدى قابل للانحلال والزوال بأدنى شبهة ، فلو لم يكن في هذا العالم ذوات كاملة نورية حاملة لهذه الأصول الاسلامية حافظة لها بالبراهين دافعة عنها شبه المنكرين وأوهام المضلين . لما بقيت قواعد الدين وعقائد المسلمين مستمرة
هامش
( 1 ) اى : إلى آخره .