ثم قال في جواب قولهم : نحن أحق بمثل هذا الصنع : ان أحق الناس بالخدمة هو العالم اى وان كان بالقياس إلى من دونه ، ثم اخذ في بيان فائدة ما فعله وغاية ما صنعه من التواضع والخدمة وجعلها غايتين إحداهما متعدية والأخرى لازمة : اما التي يتعدى إلى الغير فهو تعلمهم ذلك منه واقتداؤهم به عليه السلام وذلك لكيلا ينتفعوا كما انتفع به ويستكملوا ، واما الثانية وهي الغاية الذاتية والسبب الأصلي في فعل التواضع فما أشار إليه بقوله عليه السلام : بالتواضع تعمر الحكمة لا بالتكبر ، واكتفى في بيان هذا الحكم بمثال كما هو عادة الأنبياء والرسل عليهم السلام حيث اتوا بالأمثال وصوروا - الحقائق الغامضة العقلية بكسوة الأمثلة الحسية .
وذلك لان أكثر الناس يغلب عليهم الجهة الحسية فلا يمكنهم ادراك البراهين العقلية ولا تجريد المعاني عن ملابس الصور ، واما الذين صفت أذهانهم وكملت عقولهم وهم الآفلون ، فلفرط ذكائهم وقوة حالهم يتفطنون بالحقائق بواسطة الأمثال المضروبة للناس كما قال سبحانه :
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
( العنكبوت - 43 ) .
واما الوجه العقلي والسبب اللمى في ذلك « 1 » : ان العلم الحقيقي كمال عقلي لا يحصل للانسان الا بحدوث فطرة ثانية ونشأة آخرة له غير الفطرة الأولى المشتركة بين الناس كلهم ، ونسبة الأولى إلى الثانية كنسبة الجنس إلى النوع ونسبة الحيوانية إلى الانسانية العامية ، ولا يمكن الترقي من نشأة إلى نشأة أخرى الا باستحالات وتبدلات من شأن إلى شأن موجبة لهدم الأولى وزوالها واحكام الثانية وبقائها .
فالتواضع والخضوع ، ولين الجانب وخفض الحال ورقة القلب وسائر ما هو من هذا القبيل مما له مدخلية في لطافة النفس وصفاتها وصيرورتها بمنزلة زجاجة لا لون لها وصحيفة لا نقش لها ، فلأجل ذلك يقبل الهيئات العقلية والعلوم الإلهية ، فإذا أمعن المريد للحق في الرياضة ورفض الأنانية ومحو الصفات والآثار استحدث لنفسه فطرة ثانية ، وصار قلبة كمرآة مجلوة يتراءى بها الحقائق كما هي ، واما إذا اتصفت نفس
هامش
( 1 ) اى في ان التواضع سبب لتعمير الحكمة .