الشرح
السفه هو الخفة والطيش ، وسفه فلان رأيه إذا كان مضطربا لا استقامة فيه ، ولهذا وقع في مقابلة الحلم في حديث جنود العقل والجهل ، والسفيه الجاهل ، وفي الحديث :
انما البغى من سفه الحق ، اى من جهله وقد مر شرح معناه ، والظاهر أن السفه لازم للجهل لا انه نفس مفهومه ، وتسمية أحد المتلازمين بالآخر شائع ؛ والغرة هي الغفلة عن لوازم الشيء ، وقلة الفطنة للشر الّذي تحته وترك البحث والتفتيش عنه .
اعلم أنه يستفاد من هذا الحديث ان أكثر الموصوفين بالعلم عند الناس ليسوا من العلماء وانما هم من الجهلة بالحقيقة ، وذلك لما شوهد من أكثرهم ممن تعاطى افعال السفهاء والمغترين ، وذلك لركونهم إلى أهل الدنيا وسعيهم في طلب الجاه والشهرة وميلهم إلى الشهوات واللذات وتشوقهم إلى تقرب السلاطين والتفوق على الاقران والأمثال وتهالكهم على كثرة الاتباع والمريدين واظهار العداوة لمن لم يصدقهم أو يرد عليهم أو يناظرهم ولو في مسألة واحدة ، وربما يتهجموا على من ينكرهم بالضرب والشتم والايذاء ان كانت لهم قدرة ، أو بالتكفير والطعن والافتراء ان لم يكن ، وسائر ما يصدر عنهم مما يجرى مجرى هذه الأمور وجميع ذلك سفه وغرور كما لا يخفى على من له بصيرة قلبية .
فثبت ان العلم الممدوح عند اللّه ورسوله وأوليائه عليه وعليهم السلام نوع اخر من العلم يباين هذا الّذي هو معروف عند الناس تباينا بالحقيقة لا لأجل الزيادة والنقصان أو الشدة والضعف ، فان هذا المشهور كلما ازداد أكثر أو وقع الامعان فيه أشد كان صاحبه أكثر احتجابا عن المعبود وأزيد بعادا عن الحق ، وإلى هذا أشار بقوله تعالى :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ
( البقرة - 8 ) ، وقوله :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ
( البقرة - 13 ) ،
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً
( البقرة - 10 ) .