لا قال : الّذي تكلمه ببعض كلامك فيعرفه كله فذاك من عجنت نطفته بعقله ، واما الّذي تكلمه فيستوفى كلامك ثم يجيبك على كلامك فذاك الّذي ركب عقله فيه في بطن أمه ، واما تكلمه بالكلام فيقول : أعد على فذاك الّذي ركب عقله فيه بعد ما كبر فهو يقول :
لك أعد على » .
الشرح
لما ذكر إسحاق بن عمار عند أبى عبد اللّه عليه السلام تفاوت أحوال المخاطبين في استماع الكلام بان بعضهم كان بحيث إذا اتاه وكلمه ببعض كلامه فهم من ذلك البعض معنى الكلام كله ، ومنهم من إذا كلمه وسمع بعض الكلام يحتاج في فهم المعنى إلى أن يستوفى سماع الجميع حتى يفهم لكن إذا استمع الجميع فهم معناه وعرفه فيرده كما سمعه حافظا لألفاظه ومعانيه ، ومنهم من إذا سمع الكلام لم يفهم اوّل سمعه بل يحتاج إلى الإعادة والتكرير وكان غرضه الاستكشاف عن لمية هذا التفاوت في افراد البشر ، فأفاد عليه السلام علة ذلك وسره .
واعلم أن اللّه تعالى خلق جواهر النفوس الانسانية مختلفة في الصفاء والكدورة وعقولها متفاوتة في القوة والنورانية ، فبعضها شريفة نورانية مائلة إلى الخير مستعدة لقبول النور والعلم بأدنى وسيلة كاستعداد الكبريت للاشتعال يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار .
ومنها جاسية الجوهر كدرة الذات خسيسة ظلمانية فهي لخمود نور الفطرة وخمود ماء القريحة بحيث لا ينجع فيها التعليم والتهذيب أصلا .
ومنها ما يتوسط بينهما وإلى هذا التفاوت والاختلاف أشير في قوله تعالى :
أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
( الزمر - 22 ) .
ثم اعلم أن هذه النفوس كما هي مختلفة متفاوتة في جواهرها وذواتها وقبولها واستعدادها لإفاضة العلوم والأنوار فكذلك أيضا موادها وأبدانها متفاوتة في اللطافة