المعقول « 1 » ، والحياء انفعال القلب عمّا يرد عليه ، والدِّين فعل المعروفات وترك المنكرات .
والحياء على قسمين : حياءٍ نشأ من ضعف القلب وقلّة الاحتمال لعجزه ، وهو ليس بممدوح ؛ وحياء نشأ من استشعار العظمة والهيبة . فالأوّل حياء من الخلق ، والثاني حياء من اللَّه ، وهو من محاسن الأخلاق ومكارم الخصال ؛ ولهذا ورد : « الحياء من الإيمان » . « 2 »
وقال بعض العرفاء : الحياء وجود الهيبة في القلب مع خشية ما سبق منك إلى ربّك .
وقال بعضهم : إنّ العباد عملوا على أربع درجات : الخوف ، والرجاء ، والتعظيم ، والحياء ، وأشرفهم منزلةً مَن عمل على الحياء لما أيقن أنّ اللَّه يراه على كلّ حال ، فاستحيا من حسناته أكثر ممّا استحيا العاصون من سيّئاتهم .
وهذه الخصال الثلاث لكلّ منها ضدّ ؛ فضدّ العقل هو الجهل بالمعنى الوجوديّ - أعني إدراك الشيء خلاف ما هو عليه - وهو من أسوء الأخلاق السيّئة وأفسدها ؛ إذ الكفر شعبة منه ، وضدّ الحياء الوقاحة ، وضدّ الدِّين الفسق .
إذا تقرّرت هذه المقدّمات فنقول : في الحديث مطالب ثلاثة :
أحدها : وجه الاقتصار على هذه الخصال الثلاث .
والثاني : وجه كون العقل هو المختار منها .
والثالث : علّة استلزامه للأخيرتين .
أمّا الأوّل ، فلأنّ للإنسان قوّتين : فعليّة وانفعاليّة .
والأولى إذا كانت فاضلة يصدر منها فعل الطاعات والعبادات ، ويسمّى بالدِّين تسميةً للسبب باسم المسبّب .
والثانية : إمّا انفعالها بالصور إدراكيّة ، فهي العقل إذا كانت فاضلة ، أو بغيرها من الأمور الحسّيّة ، فهي الحياء إذا كانت فاضلة .
وأمّا الثاني ، فلا شبهة في أنّ العقل أشرف الخصال وأكرمها ؛ إذ به يُعرف الحقّ ويميّز عن الباطل ، وبه يكمل الإيمان ويتقرّب إليه تعالى ، وهو الذي يحبّ اللَّه ويحبّه اللَّه .
هامش
( 1 ) . في المصدر : « المعقولات » .
( 2 ) . الكافي ، ج 2 ، ص 106 ، باب الحياء ، ح 1 ؛ عيون أخبار الرضا ، ج 1 ، ص 265 ، ح 23 .