بالإسناد عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال في خطبةٍ طويلة أخذنا منها موضع الحاجة :
« وَاعلَمْ أنّ الراسخينَ في العلمِ هُمُ الذين أغناهم عن اقتحام السُّدَدِ المضروبة دونَ الغيوبِ الإقرارُ بجملة ما جهلوا تفسيرَه من الغيب المحجوب ، فمَدَحَ اللَّه تعالى اعترافَهم بالعجز عن تناول ما لم يُحيطوا به علماً ، وسمّى تركَهم التعمّقَ فيما لم يُكلِّفْهم البحثَ عن كنهه رسوخاً ، فَاقْتَصِرْ على ذلك ، ولا تُقَدِّرْ عظمةَ اللَّه سبحانه على قدر عقلك ، فتكونَ من الهالكين » الخطبة . « 1 »
وليعلم أنّ بناء ما قاله عليه السلام على الوقف على الجلالة ، وحمل جملة « والراسخون » على الحاليّة وإرادة علم التأويل بلا تعليم ، وهذا أحد وجهي القراءة .
والوجه الآخر الوقف على « العلم » وعطف « الراسخون » على الجلالة عطفَ المفرد ، وإرادة علم التأويل بتعليم النبيّ صلى الله عليه وآله بلا توسيط الرعيّة . وعلى هذا الوجه الأخبار التي ستجيء في كتاب الحجّة المتضمّنة أنّ الراسخين في العلم هم الأئمّة عليهم السلام .
قوله : ( عن الأصبغ بن نباتة [ عن عليّ عليه السلام قال : هبط جبرئيل على آدم عليه السلام . . . ] ) . [ ح 2 / 2 ]
في حواشي السيّد الجليل الرفيع رفع اللَّه شأنه :
الظاهر أنّ آدم عليه السلام حين هبوط جبرئيل عليه السلام كان ذا عقلٍ وحياء ودين ، والأمر باختيار واحدة من ثلاث لا ينافي حصولها . وقول جبرئيل عليه السلام للحياء والدِّين بعد اختيار العقل :
« انصرفا » لإظهار ملازمتهما للعقل بقولهما : « إنّا أمرنا أن نكون مع العقل » . « 2 »
ولعلّ الغرض من ذلك أن يتنبّه آدم بعِظَم نعمة العقل ، ويشكرَ اللَّه على إنعامه .
وفي شرح صدر المحقّقين :
إنّ للإنسان قوّةً بها يدرك الحقائق ، وهي المسمّاة بالعقل ، وقوّةً بها ينفعل عمّا يرد على القلب ، وهي المسمّاة بالحياء ، وقوّةً بها يقتدر على فعل الطاعات وترك المنكرات تسمّى بالدِّين ؛ وهذه الألفاظ الثلاثة كما تطلق على هذه المبادئ - أعني القوى والأخلاق - كذلك تطلق على آثارها والأفعال الناشئة منها ؛ فيُقال : العقل إدراك
هامش
( 1 ) . نهج البلاغة ، ص 125 ، الخطبة 91 ؛ التوحيد ، ص 53 ، ح 13 .
( 2 ) . الحاشية على أصول الكافي لميرزا رفيعا ، ص 45 .