لم لا يردهم وان كان يردهم لم لا يذهب بهم ؟ القوم مضطرون يا أخا أهل مصر !
شرح
إلى رب واجب بالذات فلا يكون استناد شيء من المعلولات إلى علته صانعا للنسبة الوجوبية قاطعا للنسبة الجوازية ، إذ العلة في حد نفسها حينئذ غير داخلة في الوجوب فكيف يدخل شيء آخر في الوجوب من تلقائها ؟
فإذا قيل : الدهر يذهب بهم ، صح أن يقال : لم لا يردهم بدلا عن الذهاب بهم ، وإذا كان يردهم صح أن يقال : لم لا يذهب بهم بدلا عن ردهم ، إذ شيء من الطرفين غير متعين الحصول واللاحصول بالوجوب والامتناع أصلا ، بل كلاهما في بقعة الجواز ، فلا يستقيم اذن أن يدخل شيء منهما في الوقوع ولا في اللاوقوع ، ولا مندوحة عن الفساد الا إذا ما كانت الأسباب مضطرة إلى تأديتها إلى المسببات من تلقاء الاستناد إلى القدرة الحقة الواجبة بالذات ، وكذلك السبيل في قوله عليه السلام « وان كانا غير مضطرين فلم لا يصير الليل نهارا والنهار ليلا » فليتبصر .
( قوله عليه السلام : القوم مضطرون ) يعني بهم العقول المفارقة الفعالة والنفوس السماوية بجنسيها المجردة والمنطبعة والنفوس الناطقة الانسانية والطبائع الجسمانية والقوى العلوية والسفلية السماوية والأرضيةوَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ« 1 » .
فالنفوس المجردة السماوية وان كانت ذوات إرادة واختيار في تحريكات أبدانها الفلكية على نظام متسق واتساق منتظم ، لكن المختار الحق بنفس ذاته فهو مبدأ المبادي من غير علة ومسبب الأسباب من غير سبب ، هو الذي يضطرها
هامش
( 1 ) اقتباس من سورة الأعراف : 54 .