وفرشا وقناديل ولازم قبرها أياما كثيرة وكان يجتمع عنده الناس والقراء والمنشدون ويعمل لهم الأطعمة والثريد والكسكسو والقهوة والشربات واشترى مكانا بجوار المقبرة المذكورة وعمره بيتا صغيرا وفرشه وأسكن به أمها وكان يبيت به أحيانا وقصده الشعراء بالمراثي فكان يقبل منهم ذلك ويجيزهم عليه ورثاها هو بقصائد قال الناقل وجدتها بخطه بعد وفاته في أوراقه المدشتة على طريقة شعر مجنون ليلى ، فمنها :
أعاذل من يرزأ كرزئي لا يزل * كئيبا ويزهد بعده في العواقب
أصابت يد البين المشت شمائلي * وحافت نظامي عاديات النوائب
وكنت إذا ما زرتها في سحيرة * أعود إلى رحل بطين الحقائب
ومنها :
يقولون لا تبكي زبيدة واتئد * وسلّ هموم النفس بالذكر والصبر
وتأتي لي الأشجان من كل وجهة * بمختلف الأحزان بالهم والفكر
وهل لي تسلّ من فراق حبيبة * لها الجدث الأعلى بيشكر من مصر
أبى الدمع إلا أن يعاهد أعيني * بمحجرها والقدر يجري إلى القدر
فأما تروني لا تزال مدامعي * لدى ذكرها تجري إلى آخر العمر
ولولا مخافة التطويل لأوردنا شيئا كثيرا من كلامه من هذا القبيل ( ثم تزوّج ) بعدها بأخرى وهي التي مات عنها وأحرزت ما جمعه من مال وغيره ، ولما بلغ ما لا مزيد عليه من الشهرة وبعد الصيت وعظم القدر والجاه عند الخاص والعام وكثرت عليه الوفود من سائر الأقطار وأقبلت عليه الدنيا بحذافيرها من كل ناحية لزم داره واحتجب عن أصحابه الذين كان يلم بهم قبل ذلك إلا في النادر لغرض من الأغراض وترك الدروس والإقراء واعتكف بداخل الحريم وأغلق الباب ورد الهدايا التي كانت تأتيه من أكابر المصريين ظاهرة وأرسل إليه مرة أيوب بك الدفتردار مع نجله خمسين أردبا من البر وأحمالا من الأرز والسمن والزيت وخمسمائة ريال نقودا وبقج كساوى أقمشة هندية وجوخ وغير ذلك فردها وكان