صلّى اللّه عليه وسلّم « وعليّ جمع الحطب » فقالوا : يا رسول الله نحن نكفيك ذلك ، فقال : « قد علمت ، ولكني أكره أن أتميز عليكم ؛ فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزا بين أصحابه » ، وقام فجمع الحطب .
وكان أرحم الناس ؛ يصغى الإناء للهرة « 1 » ، وما يرفعه حتّى تروى رحمة لها ، وأعفّهم وأشدّهم إكراما لأصحابه ، لا يمدّ رجليه بينهم ، ويوسّع لهم إذا ضاق المكان ، ولم تكن ركبتاه تتقدّمان جليسه ، يبدأ من لقيه بالسلام ، ويتجمّل لأصحابه ، ويتفقدهم ويسأل عنهم ، فمن مرض عاده ، ومن غاب دعا له ، ومن مات استرجع « 2 » فيه ، وأتبعه الدعاء له .
وكان عليه الصلاة والسلام تنام عيناه ولا ينام قلبه انتظارا للوحي « 3 » ، وإذا نام نفخ ولا يغطّ .
وكان لا يأكل الصدقة ، ويأكل الهدية ، ويكافئ عليها ، وأكل الخبز بالخل ، وقال : « نعم الإدام الخل » . وكان من جالسه أو أقامه لحاجة صابره حتّى يكون الرجل هو المنصرف ، وما جلس إليه أحد فقام حتّى يقوم الرجل ، وما خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ، إلا أن يكون فيه إثم أو قطيعة رحم « 4 » فيكون أبعد الناس منه ، وكان يداعب أصحابه ولا يقول في مداعبته إلا حقّا « 5 » ، وكان يخفف الصلاة إذا سمع بكاء الصبى مما يعلم من شدّة وجد أمّ الصبى بولدها .
وباع واشترى بنقد ونسيئة ، والأغلب بعد البعثة الشراء ، وبعد الهجرة لم يحفظ البيع إلا في ثلاث صور ، وأجّر واستأجر وهو الأغلب ، واجر نفسه قبل النبوّة
هامش
( 1 ) يميلها لتشرب .
( 2 ) قال : « إنّا للّه وإنّا إليه راجعون »
( 3 ) قلوب الأنبياء أكبر من قلوب العارفين ، ولذلك لا تنام ؛ لأنها علي صفة الملائكة ، يسبّحون الله الليل والنهار ، لا يفترون ، وكذلك قلب النبي [ لا ينام لأنه علي ذكر مستمر ، والله تعالى أعلم ] ، والّذي ينام : الغافل اللاهي .
( 4 ) في الأصل « إلا أن يكون فيه قطيعة رحم » .
( 5 ) قال مرّة لأحد أصحابه : « يا ذا الأذنين » رواه أحمد ، وأبو داود ، والترمذي عن أنس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال له ذلك - يعنى يمازحه - وجاءه رجل يستحمله فقال : إني حاملك على ولد ناقة ، فقال : يا رسول الله ما أصنع بولد الناقة ؟ فقال : وهل تلد الإبل إلا النوق ؟ !