تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة 382

مساهمون:

ص٣٨٢
النفس أو لتعلقات الدنيا ، وأما إذا كان المهجور مبتدعا أو متجاهرا بالفسق ونحو ذلك فلا تحرم هجرته ، لما ثبت من هجر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الثلاثة الذين خلّفوا « 1 » . ولم يجاوز صلّى اللّه عليه وسلّم « تبوك » ، حيث استشار أصحابه في مجاوزتها ، فقال له عمر رضي الله عنه : إن كنت أمرت بالسير فسر ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لو أمرت بالسير لم أستشركم فيه » فقال : يا رسول الله : إن للروم جموعا كثيرة ، وليس بها أحد من أهل الإسلام ، وقد دنونا ، وقد أفزعهم دنوّك ، فلو رجعنا هذه السنة حتّى نرى أنفسنا أو يحدث الله أمرا . وهذا تصريح بأن تبوك لم يقع فيها مقاتلة ، ولا حصل فيها غنيمة ، وإنما أتاه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو بها « يحنّة » ( بضم المثناة تحت ، وفتح الحاء المهملة ثم نون مشدّدة مفتوحة ، ثم تاء التأنيث ) « ابن روبة » ( بالمواحدة ) صاحب « أيلة » « 2 » وصحبته أهل « جرباء » تأنيث أجرب ، يمد ويقصر ، قرية بالشأم ، وأهل ( أذرح ) « 3 » بالذال المعجمة الساكنة والراء المهملة المضمومة والحاء المهملة ( مدينة تلقاء السراة ) و « أهل مينا » ، وأهدى « يحنّة » رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم بغلة بيضاء ، فكساه صلّى اللّه عليه وسلّم بردا ، وهو البردة التي كانت عند خلفاء بنى العباس ، اشتراها من أهل ( أيلة ) « 4 » أبو العباس السفاح بثلاثمائة دينار ، وكانت التي اشتراها معاوية من ذرية كعب بن زهير ، فقدت عند زوال دولة بنى أمية « 5 » . وقد تقدم في غزوة فتح مكة أن بردة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم التي خلعها على كعب بن زهير جائزة علي قصيدته المشهورة ، قد اشتراها معاوية من ذريته ، ثم فقدت بزوال بني أمية ، بخلاف هذه . فليراجع في محله « 6 » .
هامش
( 1 ) إن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قبل ممن قبل ، ولم يقبل من هؤلاء الثلاثة لأن لهم منزلة عنده صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأراد أن يؤدبهم أدبا خاصا ، إسلاميا صرفا ، لا لقصد الهجر ، فهجر المسلم لأمر من الأمور الدنيوية هو المذموم ، أما إن كان لأجل الدّين فهو المطلوب . ( 2 ) مدينة على ساحل بحر القلزم ( البحر الأحمر ) مما يلي الشام ، وهي اخر الحجاز وأوّل الشام . ( 3 ) بلد من أعمال عمان ، بالبلقاء من أرض الشام ، قرب السراة من ناحية الحجاز . ( 4 ) بضم الراء ، بلد في أطراف الشام من أعمال الشراة ، من نواحي بلقان وعمان . ( 5 ) هناك بردتان : إحداها اشتراها معاوية من ذرية كعب بأربعين ألف درهم ، والثانية أهداها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لصاحب أيلة نظير إهدائه البغلة ، وهي التي اشتراها السفاح من أهل أيلة ، وأخذها التتر . ( 6 ) في الأصل : في الفصل الرابع عشر من الباب الأوّل من المقالة الرابعة من الجزء الأوّل من هذا التاريخ .