تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة 380

مساهمون:

ص٣٨٠
وسار صلّى اللّه عليه وسلّم إلى تبوك ، واستخلف عليّا رضي الله عنه على المدينة ، وعلى عياله ، فقال علي : أتخلفني في الصبيان والنساء ؟ ! قال : « ألا ترضى يا علي أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى ؟ غير أنه لا نبيّ بعدي » « 1 » . وليس المراد من هذا الحديث أن جميع المنازل الثابتة لهارون من موسى سوى النبوة ثابتة لعلى من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإلا لما صحّ الاستثناء [ كما تزعم الشيعة والرافضة ] مستدلين به على استحقاقه الخلافة بعده صلّى اللّه عليه وسلّم ، بل المراد أن عليّا خليفة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مدة غيبته بتبوك ، كما كان هارون خليفة عن موسى مدة غيبته للمناجاة ، وأما الاستثناء فمنقطع ، والمعنى : لكنك لست نبيّا كهارون ؛ لأنه لا نبي بعدي ، ولئن سلم أن الحديث يعمّ المنازل كلّها فهو عام مخصوص ؛ إذ من منازل هارون كونه أخا نبي « 2 » ، والعام المخصوص غير حجّة في الباقي ، أو حجة ضعيفة على الخلاف « 3 » . وكان مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ثلاثون ألفا ، وكانت الخيل عشرة آلاف ، وتخلّف عبد الله ابن أبيّ [ المنافق ] ومن تبعه من أهل النفاق ، وتخلف ثلاثة من الصحابة ، وهم : كعب بن مالك ، ومرارة بن الربيع ، وهلال بن أمية ، ولم يكن لهم عذر ، ثم رجع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة بعد أن أقام بتبوك بضع عشرة ليلة لم يجاوزها ، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ، ثم يجلس الناس ، فلما فعل
هامش
( 1 ) رواه مسلم والترمذي عن سعد ، والترمذي عن جابر ، ورواه أبو حاتم وابن إسحاق ، والحافظ الدمشقي في معجمه بمعناه ، والسلفي في النسخة الدمشقية . ( 2 ) وأيضا فإنه أرسل كما أرسل موسى صلّى الله على نبينا وعليه وسلّم . ( 3 ) بل هو حجة قوية ؛ لأن عموم اللفظ أشمل من خصوص السبب ، أما عن زيادة سيدنا هارون ، فهي بالنسبة للرسالة ، وهذا أمر لا يجادل فيه أحد ، وباء التشبيه ، أو كاف التشبيه في قوله : « بمنزلة » أو « كمنزلة » تفيد وجه شبه ما ، إلا أنه ليس تامّا ، ومن أوجه الشبه أنه أخوه ، وإن كان ابن عمه ؛ لأنه عاش معه عيشة الأخ الكامل الأخوة ، وقول رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن الله جعل ذرية كل نبي في صلبه وجعل ذريتي في صلب علي » فيه إشارة واضحة على الاتحاد الكامل في الأصل ، والفرقة في الشخص فقط . . . ولقد بلغ الأمر أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم هو الّذي سمّى حسنا وحسينا ومحسنا ، علي أسماء أولاد هارون عليه الصلاة والسلام : « شبرا وشبيرا ومشبرا » وقال في الحسين رضي الله عنه : « فيه لثغة ورثها من عمه موسى » فمن أين يأتي الميراث إذا لم يكن هناك شبه يكاد يكون كاملا ؟ ! والله تعالى أعلم .