تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة 385

مساهمون:

ص٣٨٥
فيها ، بل أعلم الناس بوجههم ليكون تأهّبهم بحسب ذلك ، ومع هذا الاجتهاد في الاستعداد لم يلق فيها حربا ، ولا افتتح بلدا ، وذلك لأن أجلّ فتوح الشام لم يكن بعد ، فانتسخ العزم بالقدر وبجفاف القلم « 1 » . ورجع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة وعلى المسلمين الوقار والسكينة من غير اضطراب عند انصراف العزيمة ، وقد تقدم بعض ذلك « 2 » . * وفي هذه السنة هدم مسجد الضرار الّذي ذكره الله تعالى في كتابه العزيز في سورة براءة :
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً . . .
[ التوبة : 107 ] الآية أنزلت في جماعة من المنافقين بنوا مسجدا أيضا يضارّون به مسجد قباء ، وكانوا اثنى عشر رجلا من أهل النفاق ، وكانوا جميعا يصلّون في مسجد قباء ، فبنوا مسجد الضرار ليصلّى فيه بعضهم ، فيؤدّى ذلك إلى الاختلاف وافتراق الكلمة ، ولما فرغوا أتوا رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يتجهّز إلى تبوك وقالوا : يا رسول الله قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة الشاتية ، وإنّا نحب أن تأتينا وتصلّى لنا فيه ، وتدعو بالبركة ، فقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إني على جناح سفر ، ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا » ، ولما انصرف صلّى اللّه عليه وسلّم من تبوك ونزل ب « ذي ودان » ( موضع قريب من المدينة ) أتوه فسألوه إتيان مسجدهم ، فدعا بقميصه ليلبسه ويأتيهم ، فنزل عليه القرآن ، وأخبره اللّه خبر المسجد الضرار وما همّوا به ، فدعا رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم عامر بن عديّ ، وعامر بن السكن ، وقال لهم : « انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه واحرقوه » ، فخرجوا سريعا فحرقوه وهدموه ، وتفرق عنه أهله . وفي دخول هذه السنة على رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم وهو بالمدينة ، قبل غزوة تبوك تتابعت الوفود من جميع الجهات ؛ فإنهم كانوا منتظرين ما يقع له صلّى اللّه عليه وسلّم مع قومه ، فلما حصل الفتح دخل الناس في دين الله أفواجا ، وورد عليه عروة بن مسعود الثقفي ، وكان غائبا عن حصار الطائف ، فأسلم وحسن إسلامه فقال : أمضى إلى قومي وأدعوهم ، فقال له صلّى اللّه عليه وسلّم : إنهم قاتلوك . فكان كما قال ؛ حيث رمى بسهم في سطح بيته ، وهو يؤذّن للصلاة ، فمات ، ومنع قومه من الطلب بدمه ، وقال : « هي
هامش
( 1 ) يقصد قول رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم : « جف القلم بما هو كائن » . ( 2 ) في الأصل : « في الفصل الرابع عشر من المقالة الرابعة من الجزء الأوّل » .