تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة 384

مساهمون:

ص٣٨٤
أرجع إليهم . فضحك رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم وقال :
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
[ القصص : 56 ] يا أخا تنوخ إني كتبت بكتاب إلى كسرى فمزّقه ، والله ممزقه وممزق ملكه ، وكتبت إلى صاحبك بصحيفة فأمسكها ، فلن يزال الناس يجدون منه بأسا ما دام في العيش خير ، قلت : هذه إحدى الثلاث التي أوصاني بها صاحبي ، فأخذت سهما من جعبتى فكتبتها في جفن سيفي ، ثم ناول الصحيفة رجلا عن يساره ، قلت : من صاحب كتابكم الّذي يقرأ لكم ؟ قالوا : معاوية ، فإذا في كتاب صاحبي : تدعوني إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ، فأين النار ؟ فقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم سبحان الله ، أين النهار إذا جاء الليل « 1 » ؟ ! فأخذت سهما من جعبتى فكتبت في جنب سيفي ، فلما أن فرغ من قراءة كتابي ، قال : إن لك حقا ، وإنك رسول ، فلو وجدت عندنا جائزة جوّزناك بها ، إنا سفر مرملون . فناداه رجل من أصحابه ، فقال : أنا أجوّزه ، ففتح رحله ، فإذا هو بحلّة صفراء فوضعها في حجري ، فقلت : من صاحب الجائزة ؟ قيل لي : عثمان ، ثم قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم : أيكم ينزل هذا الرجل ؟ فقال فتى من الأنصار : أنا ، فقام الأنصاريّ وقمت معه ، حتى إذا خرجت من طائفة المجلس ناداني رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال : تعال يا أخا تنوخ ، فأقبلت أهوى حتّى كنت قائما في مجلسي الّذي كنت بين يديه ، فحلّ حبوته على ظهره ، وقال : « هاهنا امض لما أمرت به » فجلت في ظهره ، فإذا أنا بخاتم النبوة عند غضروف كتفه مثل المحجمة « 2 » الضخمة » . فانصرف الرجل إلى هرقل ، فذكر له ذلك ، فدعا قومه إلى التصديق بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ فأبوا حتّى خافهم علي ملكه ، وهو في موضعه بحمص لم يتحرك ولم يزحف ، وأهدى هرقل له صلّى اللّه عليه وسلّم هدية فقبلها ، وفرّقها على المسلمين ، وأقام صلّى اللّه عليه وسلّم بضع عشرة ليلة ، ولم يجاوزها ، ثم انصرف قافلا إلى المدينة . ففي هذه الغزوة خرج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من المدينة إلى الشام في العدد الّذي لم يتم قبله مثله ، كان العدد فيها ثلاثين ألفا ، أو أكثر ، وكانت الشّقّة بعيدة ، ولهذا لم يور
هامش
( 1 ) وفي الفتح الكبير في ضم الزيادة إلي الجامع الصغير : « سبحان الله ، أين الليل إذا جاء النهار » ؟ رواه الإمام أحمد . ( 2 ) المحجمة : القارورة التي يجمع فيها دم الحجامة .