قد عظم علي المسلمين ، حتّى كادوا يهلكون ، لمّا رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع من غير فتح ، وقد كان أصحاب رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم لما خرجوا من المدينة لا يشكّون في فتح مكة للرؤيا التي رآها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهذه الشروط الصعبة التي انضم إليها أمره صلّى اللّه عليه وسلّم لعليّ رضى الله تعالى عنه في كتب الصحيفة أن يمحو لفظ رسول الله ، ولم يمحه ، ومحاه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وكتب بدله « ابن عبد الله » بيده ، فكان هذا من الخطب الجسيم الّذي يوقع الريب في القلوب الضعيفة ، حتى لمن لا يفهم الأسرار في الأزمان الحديثة ، والحال أنها واردة وثابتة بالأحاديث الصحيحة ، فما يقع في الوهم من أن هذه الكتابة قادحة في المعجزة باطل ؛ لأن الكتابة إذا وقعت من غير معرفة بأوضاع الحروف ولا قوانين الخط وأشكالها بقيت الأمية علي ما كانت عليه ، وكانت هذه الكتابة الخاصة من إحدى المعجزات وتمامها ، كما كان من المعجزات في كتابة شروط الصلح إخباره صلّى اللّه عليه وسلّم عليّا أنه سيكون لك يوم مثل هذه الواقعة ، وهو إشارة منه صلّى اللّه عليه وسلّم لما سيقع بين علي ومعاوية رضي الله عنهما ؛ فإنهما في حرب صفّين وقعت بينهما المصالحة علي ترك القتال إلى رأس الحول ، وصحّ ذلك وظهر يوم التحكيم لما قال حكم أهل الشام حين كتب في الصلح : « هذا ما صالح عليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب » : « لو عرفنا أنك أمير المؤمنين ما خالفناك ، كما سيأتي مبينا في خلافته .
وأما ما ورد من أنه رضى الله تعالى عنه في عام الحديبية ، وفي غزوة بني المصطلق قاتل الجن ، وأن جبريل قال يوم غزوة أحد وهو صاعد إلي السماء : « لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي » فهذا من الموضوع - كما ذكره ابن تيمية « 1 » - يعني أنه موضوع لم يرد من طريق يعتدّ به ، وإن كان المدح في عليّ لا يستكثر عليه وذلك للإجماع علي شجاعته وكرامته ، والمراد بالفتي : الشجاع السيد ، وفي الحديث : أن ملكا يقال له رضوان نادي يوم بدر من السماء : « لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار » وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أنا الفتى ابن الفتي ، أخو الفتي ، ابن الفتى صلّى اللّه عليه وسلّم يعنى إبراهيم ، وأخو الفتى يريد عليا كرّم الله وجهه » انتهى .
هامش
( 1 ) ذو الفقار هو سيف رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ، وابن تيمية ليس من رجال الحديث ، حتّى يحكم ، وقد خرّجه له المحب الطبري في « الرياض النضرة » ، وللحديث ترجمة طويلة في « المقاصد الحسنة » للسخاوي .