حتى جهدهم الحصار ، وقذف الله في قلوبهم الرعب ، فلما أيقنوا أنه صلّى اللّه عليه وسلّم غير منصرف عنهم حتّى يقاتلهم ، قال كبيرهم « كعب بن أسيد » : يا معشر يهود قد نزل بكم من الأمر ما ترون ، وأنا عارض عليكم خلالا ثلاثا أيها شئتم ، قالوا : وما هي ؟ قال : « نتابع هذا الرجل ونصدّقه ، فوالله لقد تبين لكم أنه نبيّ مرسل ، وأنه الّذي تجدونه في كتابكم ، فإذا آمنتم به أمنتم على أموالكم ودمائكم ونسائكم وأبنائكم ، وما منعنا من الدخول معه إلا الحسد للعرب ، حيث لم يكن هذا النبي من بني إسرائيل » . وكان يهود بني قريظة يدرسون ذكر رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم في كتبهم ، وأنّ دار هجرته المدينة ، بل كان هذا غير خاص ببنى قريظة ؛ إذ غيرهم كان كذلك ، فقد روى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : « كانت يهود بني قريظة ، وبنى النضير ، وفدك ، وخيبر ، يجدون في كتبهم صفة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قبل أن يبعث ، وأن دار هجرته المدينة » .
قال كعب : فإن أبيتم عليّ هذه فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين « * » السيوف ، ولم نترك وراءنا ثقلا حتّى يحكم الله بينا وبين محمد ، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلا يخشى عليه ، وإن نظفر فلعمري لنجدن النساء والأبناء . قالوا : « نقتل هذه المساكين » ؟ فما خير العيش بعدهم » ؟ قال كعب : فإن أبيتم عليّ هذه ، فإن الليلة ليلة السبت ، وأن عسى أن يكون محمد وأصحابه قد آمنوا فيها ، فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرّة ( أي غفلة ) . فقالوا : نفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يكن يحدث فيه من كان قبلنا ؟ وقال لهم عمرو بن سعد : قد خالفتم محمدا فيما عاهدتموه عليه ، ولم أشرككم في غدركم ، فإن أبيتم أن تدخلوا معه فاثبتوا على اليهودية وأعطوا الجزية ، فوالله ما أدرى أيقبلها أم لا ، قالوا : نحن لا نقر للعرب بخراج في رقابنا يأخذونه ، القتل خير من ذلك ، قال : فإني برئ منكم .
وبعد الحصار أرسلوا بنباش بن قيس إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم أن ينزلوا على ما نزلت عليه بنو النضير ، من أن لهم ما حملت الإبل إلا الحلقة « أي الدرع » ، فأبى صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأرسلوه ثانيا بأنه لا حاجة لهم بشيء من الأموال ، لا من الحلقة ولا من
هامش
* أي مجرّدين السيوف من غمدها .