ناحية ، وكانوا ألفا ، واستعمل عليهم عبد الله ابن سلام ، فتواثبت الأوس ، وقالوا : يا رسول الله موالينا وحلفاؤنا ، وقد فعلت في موالى إخواننا بالأمس ما قد فعلت ، ( يعنون بنى قينقاع ) ، لأنهم كانوا حلفاء الخزرج ، ومن الخزرج عبد الله بن أبيّ ابن سلول ، وكانوا قد نزلوا علي حكم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم فكلّمه فيهم عبد الله بن أبيّ ابن سلول ، فوهبهم له ، على أن يجلوا ، ( فطلبت ) « 1 » الأوس من رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم أن يهب لهم بني قريظة كما وهب بنى قينقاع لإخوانهم من الخزرج ، فلما كلمته الأوس أبى أن يفعل ببنى قريظة ما فعل ببنى قينقاع ، ثم قال لهم : أما ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم ؟ قالوا : نختار حكم سعد بن معاذ - رضي الله عنه - فرضى بذلك رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأذن لسعد بن معاذ ، وليس إذنه صلّى اللّه عليه وسلّم لسعد بن معاذ في ذلك لكونه لا يجوز له صلّى اللّه عليه وسلّم الحكم بينه وبين محاربه ، بل هو جائز له ؛ فإنّ من خصائصه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يحكم لنفسه ، فلأن يحكم بينه وبين محاربه من باب أولي ، ومعنى الحكم بينه وبين محاربه أن يقول للمحارب :
أترك قتالك على التزام كذا وكذا ، أو على ما يقتضيه رأى فلان ، ويحكم به فيك ، ومن هذا القبيل تحكيم سعد بن معاذ في بني قريظة بأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فالتحكم في المحاربين من خصائص الإمام الأعظم « 2 » ، ومن حقوقه ؛ فلا يجوز لأحد أن يفتات عليه ، ولا أن يفعله بغير إذنه ، فالحكم في الحقيقة حقه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد ردّه إلى سعد وفوّض له فيه . وكان سعد بن معاذ - رضي الله عنه - حين أصابه السهم بالخندق وضع في خيمة في المسجد تداوى فيها الجرحى من أصحابه ، فأتاه قوم فحملوه على حمار وساروا به وهم يقولون : « يا أبا عمرو أحسن في مواليك ؛ فإن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم إنما ولّاك ذلك لتحسن فيهم ، فقد رأيت عبد الله بن أبيّ ابن سلول وما صنع في حلفائه » ، كل ذلك وسعد بن معاذ ساكت ، فلما أكثروا عليه قال - رضي الله عنه : « لقد ان لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم » ، فقال بعضهم :
هامش
( 1 ) في الأصل ( فظنت ) وهو خطأ .
( 2 ) وهو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقط ، أما الأئمة - الحكام - فلهم ذلك في حدود الكتاب والسنة ، أما إذا خالف القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة : فضرب كلامه عرض الحائط أولي ، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام : « لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق » رواه الإمام أحمد والحاكم ، وروى النسائي قوله عليه الصلاة والسلام : « لا طاعة لأحد في معصية الله ، إنما الطاعة في المعروف » وروى الإمام أحمد : « لا طاعة لمن لم يطع الله » والأحاديث في هذا الباب كثيرة اكتفينا منها بما أوردنا .