« وا قوماه » ، فأتى سعد على حمار ، فلما دنا قريبا من باب المسجد ، وانتهى رضي الله عنه إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم وإلى المسلمين وهم حوله جلوس ، قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم للأنصار : قوموا إلى سيدكم « 1 » ، فقاموا صفين ، كل رجل منهم يحيى سعدا ، حتى انتهى إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال : احكم يا سعد ، فقال : الله ورسوله أحقّ بالحكم ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : قد أمرك الله أن تحكم فيهم ، فقال سعد لبنى قريظة : أترضون بحكمي ؟
قالوا : نعم ، فأخذ عليهم عهد الله وميثاقه أنّ الحكم ما حكم به سعد ، قال سعد :
فإني أحكم فيهم أن تقتل الرجال ، وتقسّم الأموال ، وتسبي الذراري والنساء ، فقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم لسعد : « لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات » « 2 » .
وما أحسن قول من قال :
ليت دهري حاكم لي * في عدوّي ليغيظه
وهو قد يحكم يوما * حكم سعد في قريظة
وأخرج أحمد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : دمي يوم الأحزاب سعد بن معاذ فقطع الجلد ، فحسمه « * » رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم بالنار ، فانتفخت يده فنزف ، فلما رأى ذلك قال : « اللهم لا تخرج نفسي حتّى تقرّ عيني من بني قريظة » ، فاستمسك عرقه ، فما قطر قطرة حتّى نزلوا على حكم سعد ، فأرسل إليه ، فحكم أن تقتل رجالهم وتسبى نساؤهم وذراريهم ليستعين بهم المسلمون ، فقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم : « أصبت حكم الله فيهم » ، فلما فرغ منهم انفتق عرقه فمات رضي الله عنه ، كما سيأتي قريبا . وينسب لحسان بن ثابت في رثائه قوله :
لقد سجمت « 3 » من دمع عيني عبرة * وحقّ لعيني أن تفيض علي سعد
قتيل ثوى في معرك فجعت به * عيون ذراري « 4 » الدّمع دائمة الوجد
على ملّة الرحمن « 5 » وارث جنّة * مع الشهدا ، وفدها أكرم الوفد
فإن تك قد ودّعتنا وتركتنا * وأمسيت في غبراء مظلمة اللّحد
هامش
( 1 ) حديث ثابت في كثير من كتب السنة والمغازي ، وفيه رد على طوائف المتفيهقة .
( 2 ) وفي رواية : « من فوق سبعة أرقعة » .
* يقال : حسم العرق إذا قطعه وكواه لئلا يسيل دمه .
( 3 ) سال دمعها غزيرا .
( 4 ) ذرارى الدمع من ذر الحب والملح والدواء : فرقه ، والمعنى أن دمعي متفرق ولكن قلبي دائم الوجد والحزن .
( 5 ) والمعنى أنه على ملة الرحمن ، ومات مسلما شهيدا ، رضي الله عنه .