لم ير أحسن منه . فتقدّم أبو جهل وزعم أن ذلك له ، فصاح به ميسرة فقال : يا سيدي ، أمهل قليلا فقد جعلت منزلتك في بني مخزوم . فرجع وهو خجلان ، وجلس في مرتبته .
فما كان إلا ساعة وإذا بصيحات قد علت وزعقات قد ارتفعت والعرب قد تواثبت ، وقد أقبل النبي صلّى اللّه عليه وآله والعباس بن عبد المطلب إلى جانبه وسيفه مجرّد بيده ، وهو ينادي :
يا آل غالب يا آل غالب ، يا ذوي العشائر يا ذوي العشائر وأرباب الأمدار وأهل المراتب والاعتبار ! ألزموا الأدب وأقلّوا الكلم وانهضوا على الأقدام ولا تطيلوا الملام ودعوا الكبر ، فقد جاءكم صاحب الزمان ، الداعي إلى الدمار ؛ هذا محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ، المتوّج بالأنوار ، صاحب السكينة والوقار ، وقد ورد عليكم .
قال : فنظروا القوم وإذا بالنبي صلّى اللّه عليه وآله دخل وهو متعمّم بعمامة سوداء ، يلوح نور الجبين من تحتها ، وعليه قميص إبراهيم الخليل ، متختّم بخاتم من البلّور الأبيض ، وقد شمّر طرف برديه ، والناس محدقون به وقد شخصوا بالنظر إليه ، وقد أحاطت به عشيرته وحمزة يحجبه ، وقد شخصت إليه الأحداق من جميع المخلوقات بالإشارة يسلّمون عليه ، وذهلت له الأمم ، وقام كل قائم على قدم ، وقد خرست الألسن وما فيهم من يتكلّم ، حتى سبقهم بالكلام .
فنهضوا لهيبته على الأقدام ، فلم يبق منهم قاعد إلا أبو جهل ، وقال في نفسه : إن كان الأمر لخديجة لتأخذنّ محمدا . فنزل به الحسد والكمد ، فتقدّم إليه حمزة كالأسد ، فقيض على مراق بطنه وقال له : قم لا سلمت من النوائب ولا نجوت من المصائب .
فزاد به الغيظ ، فوضع يده على قائم سيفه . فكبس عليه حمزة حتى نبع الدم من أصابعه ، ووكزه الحارث فقال : ويحك يا ابن هشام ! ما أنت عديل من نهض إليه ، فإن لم تقعدنّ لتملصنّ رأسك . فقعد وهو مقهور وخاف الفضيحة بأن يكون خديجة قد علمت بما جرى عليه ، لأنه من جملة من رجى أن يتزوّج بها .
الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء ( س ) — صفحة 410
مساهمون: اسماعيل الأنصاري الزنجاني الخوئيني
ص٤١٠