قال له عيسى : نعم يا عبد اللّه ، إن مثلك من يستدعي من العالم الكلام ولا بأس عليك .
وأما أنت ( يا عمار ) ، اعلم إن هذه المفقودة الماضية بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وعند اللّه أحتسبها .
ثم نهض ودموعه تنحدر على لمّته فتلقوه الجماعة وصاروا بين عاذر وعادل . فقال لهم : رويدا ، فإن القلوب إذا خلت قالت وإذا كرهت مالت . ألستم تعلمون أنه لما توفّيت أم المؤمنين خديجة الكبرى ، جزع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله جزعا شديدا حتى إني أشفقت عليه من شدة الجزع ، فقلت له : يا رسول اللّه ! أنت واللّه القبلة وإليك الإشارة وبك القدوة وعليك المعتمد ومنك التعليم ، وأنت السراج إذا ضللنا وأنت الصلاح إذا فسدنا وأنت الهادي إذ تهنأ وحولك حاسد وحاقد ومحب وواجد ، وقريش شاخصة الأبصار إليك ، مصغية الآذان نحوك . وبعد فأنت - يا رسول اللّه - ممن إذا قال فعل وإذا أمر عمل .
فقال لي : مهلا يا أبا الحسن ، بردت دمعي وسكّنت جزعي .
ثم إنه صلّى اللّه عليه وآله صار يحبّ الخلوة بنفسه ويتطرّق الأمكنة الخالية . فبينما هو ذات يوم بظاهر مكة - شرّفها اللّه تعالى - ، إذ سمع هاتفا ينشد بيتا من الشعر وهو :
وكل ذي سفرة يؤوب * وغائب الموت لا يؤوب
فقال النبي صلّى اللّه عليه وآله : إن من الشعر لحكمة .
ثم قال لي صلّى اللّه عليه وآله يا علي ، حفظته ؟ قلت : نعم . فاستعاده مني نوبا كثيرة ، وكان صلّى اللّه عليه وآله يقول :
وكل ذي سفرة يؤوب ولا يؤوب غائب الموت .
ثم قال عليه السّلام : يا عمار ، واللّه ما ذكرت أمها خديجة إلا وجابهها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في ذكرها ، ولا رآها تبكيها إلا وسبقتها عبرة عليها ، ولا جرى ذكرها إلا وأسهب في وصفها وطال الثناء عليها وتلهّف على فراقها .
ولما مات ولده إبراهيم ، بكى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله حتى جرت دموعه على لمّته ، فقيل له : يا رسول اللّه ! أتنهى عن البكاء وأنت تبكي هكذا ؟ فقال : ليس هذا بكاء وإنما هو رحمة ومن لا يرحم لا يرحم ، وإنما البكاء الذي هو رنّة وصراخ عال ومن لا يرحم لا يرحم .