جالسا والحسن عليه السّلام عن يمينه والحسين عليه السّلام عن شماله ، وهو تارة ينظر إلى الحسن عليه السّلام فيبكي وتارة ينظر إلى الحسين عليه السّلام فيبكي .
قال عمار : فسلّمت عليه فردّ عليّ السلام ، فجلست وقلت : سيدي ! أنتم تأمروننا بالصبر على المصيبة ، وهؤلاء أصحابك قد جزعوا من انقطاعك عنهم ولا طاقة لهم بفراقك .
فقال لي : يا عمار ، صدقت ولكني فقدت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بفقد فاطمة عليها السّلام ؛ كانت لي عزاء وسلوة ؛ كانت إذا تكلّمت أفصحت عن بليع كلامه ، وإذا مشت حكت كريم قوامه .
يا عمار ، ما أحسست بألم المصيبة إلا بوفاتها ولا بألم الفراق إلا بفراقها ، وما يهون الخطب أنه بعين اللّه .
يا عمار ، لما وضعت فاطمة عليها السّلام على المغتسل ، نظرت إلى ضلع من أضلاعها المكسور ، وقد دخل المسمار في ثديها فأعابه ، ومتنها قد اسودّ من الضرب .
ما يفرغ قلبي - يا عمار - إنها كانت تخفي ذلك عني مخافة أن تنغّص عليّ عيشي .
وزاد الطريحي في المنتخب :
قال عمار : فأبكاني كلامه وبكاؤه ، فبكيت رحمة له فقلت : يا أمير المؤمنين ، اعلم أن الناس صنفان ؛ مقرر ومفتقر إليك وقول الناصح ثقيل . فقال لي : يا عمار ، إني أحدّثك بحديث سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، قال :
لما قتل النبي يحيى بن زكريا عليه السّلام ووجم عيسى بن مريم وجوما ، فقطعه ذلك من الكلام واحتجب من الأنام ، ودخل عليه أحد الحواريين فقال له : يا روح اللّه ! لا تقطع عادتك المباركة عنا وأخبرنا بالأحاديث الصحيحة ، لعل اللّه يرحمنا ولعل حديثك ينبّه أبناء الدنيا من رقدة الغفلة ويخرجهم من ظلمة الجهل ؛ فربّ كلمة قد أحيت سامعا بعد الموت ورفعته بعد الضعة ونعشته بعد الصرعة وأغنته بعد الفقر وجبّرته بعد الكسر وأيقظته بعد الغفلة ، وبقيت في قلبه ففجّرت ينابيع الحياة ، فسالت منه أودية الحكمة ونبتت فيه غرائس الحكمة ، إذا وافق ذلك القضاء من اللّه عز وجل .
الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء ( س ) — صفحة 213
مساهمون: اسماعيل الأنصاري الزنجاني الخوئيني
ص٢١٣