فقال صلّى اللّه عليه وآله : وما عساهم أن يقولوا في أخي ؟ فقالوا : يا رسول اللّه ، يقولون : أي فضل لعلي ومنقبة ، وإنما أدركه طفلا ونحو من ذلك ؛ وهذا يحزننا .
فقال النبي صلّى اللّه عليه وآله : هذا يحزنكم ؟ قالوا : نعم يا رسول اللّه . فقال : باللّه عليكم هل علمتم من الكتب المتقدمة أن إبراهيم الخليل ذهب أبوه وهو حمل في بطن أمه مخافة عليه من نمرود بن كنعان لعنه اللّه ، لأنه كان يبقر بطون الحوامل . فجاءت به فوضعته بين أثلاث بشاطئ نهر يتدفق يقال له « خرزان » ، ما بين غروب الشمس إلى إقبال الليل .
فلما وضعه واستقرّه على وجه الأرض قام من تحتها يمسح وجهه ورأسه ويكثر من الشهادة بالوحدانية . ثم أخذ ثوبا فاتّشح به ، وأمه ترى ما يصنع وقد ذعرت منه ذعرا شديدا . فهرول من بين يديها مادّا عينيه إلى السماء ، فكان من قوله ما قصّه اللّه تعالى لما رأى الكوكب ثم القمر ثم الشمس .
وعلمتم أن موسى عليه السّلام ، كان فرعون لعنه اللّه في طلبه يبقر بطون النساء ويذبح الأطفال طلبا لموسى عليه السّلام ليقتله . فلما ولدته أمه أوحى اللّه تعالى إليها أن أرضعيه ، فإذا خفت عليه فألقيه في اليمّ . بقيت حيرانة لا تدري كيف تلقيه في أليم حتى كلّمها موسى عليه السّلام . فقال :
يا أمّه ، انبذيني في التابوت وألقيني في اليمّ ! فقالت - وهي ذعرة من كلامه - : يا بني ، أخاف عليك الغرق . فقال لها : لا تحزني ، إن اللّه تعالى يردّني إليك . ففعلت ذلك فبقي التابوت في أليم مدة لا يطعم ولا يشرب ، إلى أن أقدمه اللّه تعالى إلى الساحل ، وكان من أمره ما كان .
وعلمتم قصة عيسى عليه السّلام وقوله تعالى :
« فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي . . . »
الآية . « 1 » فكلّم أمه وقت ولادته وقال لها :
« وَهُزِّي إِلَيْكِ . . . »
الآيتين ، وقال حين أشارت إليه فقال قومها :
« كَيْفَ نُكَلِّمُ . . . »
الآية . فقال :
« إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ . . . »
الآية « 2 » ، فتكلّم عليه السّلام وقت ولادته وأعطى الكتاب والحكم والنبوة ، وأوصى بالصلاة والزكاة في ثلاثة أيام من ولادته ، وكلّم القوم اليوم الثاني منه .
هامش
( 1 ) . سورة مريم : الآيتان 25 - 24 .
( 2 ) . سورة مريم : الآيتان 30 - 29 .