وهكذا لقي هذا الصحابي العظيم صنوف الاضطهاد والارهاق من عثمان ، ولم يلحظ مكانته في الإسلام وعظيم جهاده في إقامة صروح الدين ، فإنا للّه وإنّا إليه راجعون .
2 - مع أبي ذرّ :
أمّا أبو ذرّ فهو صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وخليله ، وهو من الأسبقين للإسلام ، وكان من أزهد الناس في الدنيا ، ومن أقلّهم احتفالا بمنافعها ، وكان من ألصق الناس برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، فكان يأتمنه حين لا يأتمن أحدا من الصحابة ، ويسرّ إليه حين لا يسرّ أحدا من أصحابه [ 1 ] ، وهو أحد الثلاثة الذين أحبّهم اللّه ، وأمر نبيّه بحبّهم ، كما أنّه أحد الثلاثة [ 2 ] الذين تشتاق إليهم الجنّة [ 3 ] .
ولمّا آل الحكم إلى عثمان واستأثرت بنو أميّة بمنافع الدولة وخيرات المسلمين ، هبّ أبو ذرّ إلى الانكار عليه ، وقد نهاه عثمان من نقده والانكار عليه ، فلم يمتنع ورأى أنّ ذلك ضرورة إسلامية وواجب عليه ، وكان أبو ذرّ يقف أمام الذين وهبهم عثمان الثراء العريض ويتلو عليهم قوله تعالى :
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
، وغاظ ذلك مروان بن الحكم المنتفع الأوّل من حكومة عثمان ، فشكاه إليه ، فأرسل خلفه ، فنهاه فقال أبو ذرّ :
أينهاني عثمان عن قراءة كتاب اللّه ؟ . . . فو اللّه ! لأن أرضي اللّه بسخط عثمان أحبّ إليّ وخير لي من أن أسخط اللّه برضاه . . .
هامش
[ 1 ] كنز العمّال 8 : 15 .
[ 2 ] الثلاثة الذين تشتاق لهم الجنّة : الإمام عليّ ، أبو ذرّ وعمّار بن ياسر .
[ 3 ] مجمع الزوائد 9 : 330 .