تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية — صفحة مقدمة ز

مساهمون:

صمقدمة ز
« مثلي ومثلكم : كمثل رجل أوقد نارا ، فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها ، وهو يذهبن عنها ، وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي » . هذه هي صلة الرسول صلى اللّه عليه وسلم بربه ، وهذه هي صلته بأمته . لقد ارتفع - صلوات اللّه وسلامه عليه - إلى السماء بل وتجاوزها إلى سدرة المنتهى ، ورأى من آيات ربه الكبرى ، لقد ارتفع إلى الأفق الأعلى فانغمس في الأفق الأعلى وتلقى عن اللّه مباشرة كيفية الصلة به وهي الصلاة ، ثم . . . ثم انبسط إلى الأرض سراجا منيرا ، رؤوفا رحيما ، هاديا ، يدعو إلى اللّه على بصيرة هو ومن اتبعه . يقول أحد الصالحين : « صعد رسول اللّه - صلوات اللّه وسلامه عليه - إلى السماء وتجاوز بذلك النهايات الكونية ثم عاد إلى الأرض لقد كان فعلا أدنى من قاب قوسين ، أقسم باللّه لو صعدت إلى السماء لما حاولت العودة إلى الأرض مرة أخرى » . بيد أن الرسول - صلوات اللّه وسلامه عليه - نبي ورسول فهو متصل باللّه دائما : إنه في السماء على الدوام ، وهو متصل بالبشر ، يؤدى رسالة السماء كاملة غير منقوصة . إنه كان على حد تعبير القرآن :
بَشَراً رَسُولًا
فهو ببشريته مع الناس ، وهو بسره مع اللّه : إنه مع الناس بإرادة اللّه وتوجيهه وأمره ، إنه مع الناس بكلمة اللّه ورسالته ، إنه مع الناس رسول من قبل اللّه . وبهذه المعاني كلها يمكننا أن نقول : إنه دائما مع اللّه ويمكننا أن نقول : إنه - منذ اللحظة الأولى للبعثة - لم ينزل إلى الأرض قط ، وإنما كان دائما مع اللّه سبحانه وتعالى ، فهو - صلوات اللّه وسلامه عليه - يبيت عند ربه ، يقول صلى اللّه عليه وسلم : « لست كهيئتكم ، أبيت عند ربى . . . » .
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ
« 1 » . إنه - صلوات اللّه وسلامه عليه - : « بشر » وما يجول في خلد مسلم قط أن يخرجه عن البشرية ، ولكنه - صلوات اللّه وسلامه عليه - « بشر يوحى إليه » . وما يتأتى قط أن يوحى اللّه إلى بشر إلا إذا أصبح وكأنه قطعة من النور : صفاء نفس ، وطهارة قلب ، وتزكية روح .
فمنتهى القول فيه أنه بشر * وأنه خير خلق اللّه كلهم
وبعض الناس حينما يقرأ القرآن الكريم ، فتمر عليه الآية الكريمة :
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ
« 2 » . يقف عند كلمة : ( بشر ) فيحاول التركيز عليها وتوجيه الانتباه كله إليها ، وتحويل الأنظار كلها نحوها ، فيتحدث عن خصائص البشرية العادية ويبرزها ، ويندفع في هذا الاتجاه المنحرف اندفاعا لا يتناسب قط مع قوله تعالى :
يُوحى إِلَيَّ *
بل إنه في اندفاعاته الهوجاء ينسى
يُوحى إِلَيَّ *
ويهملها إهمالا .
هامش
( 1 ) سورة الكهف : 110 . ( 2 ) سورة الكهف : 110 .
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية — صفحة مقدمة ز | أحمد بن محمد القسطلاني