ومعلوم أن تلك الرمية من البشر لا تبلغ هذا المبلغ ، فكان منه - صلى اللّه عليه وسلم - مبدأ الرمي ، وهو الحذف ، ومن الرب تعالى نهايته وهو الإيصال ، فأضاف إليه رمى الحذف الذي هو مبدؤه ونفى عنه رمى الإيصال الذي هو نهايته .
ونظير هذا في الآية نفسها قوله تعالى :
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ
« 1 » . ثم قال :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
« 2 » . فأخبر أنه تعالى وحده هو الذي انفرد بإيصال الحصباء إلى أعينهم ، ولم يكن برسوله صلى اللّه عليه وسلم - ، ولكن وجه الإشارة بالآية أنه سبحانه أقام أسبابا تظهر للناس ، فكان ما حصل من الهزيمة والقتال والنصر مضافا إليه وبه خير الناصرين .
قال ابن إسحاق : وقاتل عكاشة بن محصن الأسدي يوم بدر بسيفه حتى انقطع في يده ، فأتى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فأعطاه جذلا من حطب فقال له قاتل به ، فهزه فعاد في يده سيفا طويل القامة ، شديد المتن ، أبيض الحديد ، فقاتل به حتى فتح اللّه على المسلمين ، وكان ذلك السيف يسمى العون ، ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - حتى قتل وهو عنده « 3 » .
وجاءه - عليه الصلاة والسلام - يومئذ - فيما ذكره القاضي عياض عن ابن وهب - معاذ بن عمرو يحمل يده ، ضربه عكرمة عليها فتعلقت بجلدة ، فبصق - صلى اللّه عليه وسلم - عليها فلصقت . قال ابن إسحاق : ثم عاش بعد ذلك حتى كان زمن عثمان .
وعن عروة بن الزبير ، عن عائشة : لما أمر - صلى اللّه عليه وسلم - بالقتلى أن يطرحوا في القليب ، فطرحوا فيه . إلا ما كان من أمية بن خلف فإنه انتفخ في درعه فملأها ، فألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة .
وإنما ألقوا في القليب ولم يدفنوا ، لأنه - عليه الصلاة والسلام - كره أن يشق على أصحابه لكثرة جيف الكفار أن يأمرهم بدفنهم فكان جرهم إلى القليب أيسر عليهم .
هامش
( 1 ) سورة الأنفال : 17 .
( 2 ) سورة الأنفال : 17 .
( 3 ) ذكره ابن هشام في « سيرته » ( 1 / 637 ) عن ابن إسحاق بغير إسناد .