179 - « كلّموا النّاس . . بما يعرفون ، ودعوا ما ينكرون » .
شرح
فائدة : قال الرّاغب : لما احتاج النّاس بعضهم لبعض سخّر كلّ واحد منهم لصناعة ما يتعاطاه ، وجعل بين طبائعهم وصنائعهم مناسبات خفيّة واتّفاقات سماويّة ؛ ليؤثر الواحد بعد الواحد حرفة ينشرح صدره بملابستها ، وتطيعه قواه لمزاولتها ، فإذا جعل إليه صناعة أخرى ربّما وجده مستبلدا فيها ، متبرّما منها ، سخّرهم اللّه لذلك ؛ لئلّا يختاروا كلهم صناعة واحدة ، فتبطل الأقوات والمعاونات ، ولولا ذلك ما اختاروا من الأسماء إلّا أحسنها ، ومن البلاد إلا أطيبها ، ومن الصّناعات إلا أجملها ، ومن الأفعال إلّا أرفعها ، ولتنازعوا فيه ، لكنّ اللّه بحكمته جعل كلّا منهم في ذلك مخيّرا .
فالنّاس ؛ إمّا راض بصنعته لا يبغي عنها حولا ؛ كالحائك الّذي رضي بصناعته ويعيب الحجّام الّذي يرضى بصناعته ، وبذلك انتظم أمرهم وكُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ( 53 )[ المؤمنون ] . وإمّا كاره لها يكابدها مع كراهته إيّاها ، كأنّه لا يجد عنها بدلا . وعلى ذلك دلّ هذا الحديث :نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ[ 32 / الزخرف ] .
فالتّباين والتّفرق والاختلاف سبب الالتئام والاجتماع والاتّفاق ، فسبحان اللّه ما أحسن صنعه ! . انتهى مناوي على « الجامع » .
والحديث ذكره في « الجامع الصّغير » مرموزا له برمز الإمام أحمد ، والشّيخين : البخاري ومسلم ، وأبي داود ؛ عن عمران بن حصين .
والتّرمذي ؛ عن عمر بن الخطّاب .
والإمام أحمد ؛ عن أبي بكر الصّدّيق رضي اللّه تعالى عنهم . أجمعين .
179 - ( « كلّموا النّاس بما يعرفون ) ؛ أي : بما يفهمونه وتدركه عقولهم ، لأنّ العقول لا تحتمل إلّا على قدر طاقتها ، فلها حد محدود لا تتعدّاه ، وشرّ العلم الغريب ؛ ( ودعوا ما ينكرون » ) ؛ أي : ما يشتبه عليهم فهمه ؛ لأنّ السّامع لما لا يفهمه قد يعتقد استحالته جهلا ؛ فلا يصدق بوجوده .