. . . . . . . . . .
شرح
وفيه أنّ الانفاق مأمور به في كلّ حال دعت المصلحة إليه ، ولو بنحو استدانة ، فإن عجز فبعدة . والعدة : إنفاق لأنها التزام النفقة ؛ عند بعض الأئمّة .
وقد استشكل هذا الحديث بأنّ اللّه تعالى قالوَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ[ 29 / الإسراء ] الآية .
وأجاب القاضي أبو يعلى بأن المراد بهذا الخطاب غيره صلّى اللّه عليه وسلم ؛ وغير خلّص المؤمنين الذين كانوا ينفقون جميع ما عندهم عن طيب قلب لتوكّلهم وثقتهم بما عند اللّه ، أمّا من كان ليس كذلك يتحسّر على ما ذهب منه ! ! فالمحمود منهم التوسّط ؛ وهم الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ، لأنّهم لا صبر لهم على الفاقة ، ولذا صعب عليه صلّى اللّه عليه وسلم كلام عمر لمّا راعى ظاهر الحال ، وأمره بصيانة المال ؛ شفقة على النبي صلّى اللّه عليه وسلم لعلمه بكثرة السائلين له وتهافتهم عليه . والأنصاريّ راعى حاله صلّى اللّه عليه وسلم ، فلذا سرّه كلامه . فقوله « بهذا أمرت » إشارة إلى أنّه أمر خاصّ به وبمن يمشي على قدمه انتهى . من « شرح الشفاء » للخفاجي ، ومن شرح الزرقاني على « المواهب » .
قال ابن القيّم رحمه اللّه تعالى : ومما ينبغي التنبّه له أنّ كلّ خصلة من خصال الفضل قد أحلّ اللّه نبيّه في أعلاها وخصّه بذروة سنامها ، ثم تقاسمت الفرق فضائله ، فكلّ احتجّ على مطلوبه بشيء منها ؛
فإذا احتجّ الغزاة بهديه في الجهاد على أنّهم أفضل ؛ احتجّ الفقهاء على مثل ما احتجّ به أولئك .
وإذا احتجّ الزّهاد به على فضلهم ؛ احتجّ به ولاة الأمور على طولهم . وإذا احتجّ به الفقير الصابر ؛ احتجّ به الغني الشاكر .
وإذا احتجّ به العبّاد على فضل نفلهم ؛ احتجّ به العارفون على فضل المعرفة .
وإذا احتجّ به المتواضعون وأهل الحلم ؛ احتجّ به أرباب العزّ والقهر للمبطلين والغلظة عليهم والبطش بهم .