والمداهنة : بذل الدّين لصلاح الدّنيا .
والنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إنّما بذل له من دنياه حسن عشرته والرّفق في مكالمته ، ومع ذلك فلم يمدحه بقول ، فلم يناقض قوله فيه فعله ، فإنّ قوله فيه حقّ ، وفعله معه حسن عشرة ، وقد ارتدّ عيينة في زمن الصّدّيق وحارب ، . . .
شرح
وفي الحديث : « ما وقى به المرء عرضه فهو له صدقة » ، فإذا استكفى الإنسان ما يخافه من شرّ الأشرار بما لا يضرّه في دينه ؛ لم يكن عليه في ذلك جناح ؛ إن شاء اللّه تعالى ، وهذا إنّما يكون عند الابتلاء بالأشرار .
ومن البذل لين الكلام ، وترك الإغلاظ في القول ، والرفق بالجاهل في التعليم ؛ والفاسق في النهي عن فعله وترك الإغلاظ عليه ؛ حيث لم يظهر ما هو فيه ، والإنكار عليه بلطف حتّى يرتدع عمّا هو مرتكبه ، فكلّ هذا من أنواع المداراة .
( و ) أما ( المداهنة ) ! فهي ( : بذل الدّين لصلاح الدّنيا ) ، كأن يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لكون مرتكب ذلك يعطيه شيئا من الدنيا ، وذلك واقع كثيرا ، وقلّما فعل ذلك أحد ؛ إلّا أذلّه اللّه وأهانه ، وسلّط عليه النّاس وحرم ممّا يرجوه منهم . ( والنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم إنّما بذل له من دنياه حسن عشرته ، والرّفق في مكالمته ) ، وليس ذلك من بذل الدين في شيء ! !
( ومع ذلك فلم يمدحه بقول ! فلم يناقض قوله فيه فعله ، فإنّ قوله فيه ) « بئس ابن العشيرة » ( حقّ ، وفعله معه حسن عشرة ) ، فيزول مع هذا التقرير الإشكال الّذي هو : أن النصيحة فرض ؛ وطلاقة الوجه وإلانة القول يستلزمان الترك ! ؟
وحاصل جوابه : أنّ الفرض سقط لعارض .
وللّه الحمد على فهمه ، ما ظاهره يشكل علينا ففهمه من النّعم .
قال في « فتح الباري » : ( وقد ارتدّ عيينة في زمن الصّدّيق وحارب ) ، وبايع