( 1 ) فبينما أنا افكّر في ذلك وليس في المسجد أحد أبدا وقد أوقدت نارا لأسخن عليها قهوة جئت بها من النجف ، لا أتمكّن من تركها لتعوّدي بها ، وكانت قليلة جدّا إذا بشخص من جهة الباب الأوّل متوجّها إليّ ، فلمّا نظرته من بعيد تكدّرت وقلت في نفسي : هذا أعرابي من أطراف المسجد ، قد جاء إليّ ليشرب من القهوة وأبقى بلا قهوة في هذا الليل المظلم ، ويزيد عليّ همّي وغمّي .
( 2 ) فبينما أنا افكّر إذا به قد وصل إليّ وسلّم عليّ باسمي وجلس في مقابلي فتعجّبت من معرفته باسمي ، وظننته من الذين أخرج إليهم في بعض الأوقات من أطراف النجف الأشرف فصرت أسأله من أيّ العرب يكون ؟ قال : من بعض العرب فصرت أذكر له الطوائف التي في أطراف النجف ، فيقول : لا ، لا ، وكلّما ذكرت له طائفة قال : لا لست منها .
( 3 ) فأغضبني وقلت له : أجل أنت من طريطرة مستهزءا وهو لفظ بلا معنى ، فتبسّم من قولي ذلك ، وقال : لا عليك من أينما كنت ما الذي جاء بك إلى هنا ، فقلت : وأنت ما عليك السؤال عن هذه الأمور ؟ فقال : ما ضرّك لو أخبرتني ؟ فتعجّبت من حسن أخلاقه وعذوبة منطقه ، فمال قلبي إليه ، وصار كلّما تكلّم ازداد حبّي له ، فعملت له السبيل من التتن ، وأعطيته ، فقال :
أنت اشرب فأنا ما أشرب ، وصببت له في الفنجان قهوة وأعطيته ، فأخذه وشرب شيئا قليلا منه ، ثمّ ناولني الباقي وقال : أنت اشربه فأخذته وشربته ، ولم ألتفت إلى عدم شربه تمام الفنجان ، ولكن يزداد حبّي له آنا فآنا .
( 4 ) فقلت له : يا أخي أنت قد أرسلك اللّه إليّ في هذه الليلة تأنسني أفلا تروح معي إلى أن نجلس في حضرة مسلم عليه السّلام ، ونتحدّث ؟ فقال : أروح معك فحدّث حديثك .
فقلت له : أحكي لك الواقع أنا في غاية الفقر والحاجة ، مذ شعرت على نفسي ومع ذلك ، معي سعال أتنخّع الدّم ، وأقذفه من صدري منذ سنين ، ولا أعرف علاجه وما عندي زوجة ، وقد علق قلبي بامرأة من أهل محلّتنا في النجف الأشرف ، ومن جهة قلّة ما في اليد ما تيسّر لي أخذها .
منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل ( ع ) — صفحة 795
مساهمون: الشيخ عباس القمي
ص٧٩٥