هجم عليهم كالليث الغضبان ومزّق صفوفهم حتى وصل إلى المشرعة وأقحم الفرس على الفرات ، فلما أولغ الفرس برأسه ليشرب قال : أنت عطشان وأنا عطشان واللّه لا ذقت الماء حتى تشرب ، فلمّا سمع الفرس كلام الحسين عليه السّلام شال برأسه ولم يشرب كأنّه فهم الكلام ، فقال الحسين عليه السّلام : فأنا أشرب ، فمد الحسين عليه السّلام يده فغرف من الماء ، فقال فارس : يا أبا عبد اللّه تتلذذ بشرب الماء وقد هتكت حرمك ، فنفض الماء من يده وحمل على القوم ، فكشفهم فإذا الخيمة سالمة « 1 » ، وقد خدعه القائل .
( 1 ) فودع أهل بيته مرّة أخرى ، فاجتمعوا حوله بأكباد حرى وقلوب منكسرة ولا يمكن وصف ما جرى عليهم في تلك الساعة ولا يقدر على تحرير تلك الحالة محرر أو كاتب أبدا ، ( 2 ) على أي حال ، فودّعهم وأمرهم بالصبر ووعدهم بالثواب والأجر وأمرهم بلبس أزرهم وقال لهم : استعدوا للبلاء واعلموا انّ اللّه تعالى حافظكم وحاميكم وسينجيكم من شرّ الأعداء ويجعل عاقبة أمركم إلى خير ويعذب أعاديكم بأنواع البلاء ويعوضكم اللّه عن هذه البلية بأنواع النعم والكرامة ، فلا تشكّوا ولا تقولوا بألسنتكم ما ينقص من قدركم « 2 » .
ثم جاء إلى الميدان وهجم على الأعداء يقتلهم بالسيف ويبدد جموعهم فيتساقطون على الأرض كأنّهم أوراق الشجر حينما يتساقط في الخريف ، فرموه بالسهام والنبال فتلقاها بصدره ونحره ووجهه احتسابا عند اللّه حتى صار صدره الشريف كظهر القنفذ من كثرة السهام النابتة فيه ، وطبقا لرواية الإمام الباقر عليه السّلام انّه أصيب بثلاثمائة وبضعة وعشرين طعنة برمح وضربة بسيف أو رمية بسهم « 3 » ، وروى أكثر من هذا أيضا .
وكانت جميع تلك الجروح في مقدم بدنه ولم يصب بجرح خلفه لانّه كرار غير فرّار ، فوقف يستريح ساعة وقد ضعف عن القتال ، فبينما هو واقف إذ أتاه حجر فوقع في جبهته الشريفة ،
هامش
( 1 ) البحار ، ج 45 ، ص 51
( 2 ) نفس المهموم ، ص 355
( 3 ) المناقب ، ج 4 ، ص 110