( 1 ) ثم أمر صلّى اللّه عليه وآله أن يجعل أبو سفيان في مضيق كي يرى جيش الاسلام عند عبوره ، فوضع هناك وكان ينظر إلى أفواج الجند من أمامه ثم ظهرت الكتيبة التي كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فيها ، وهم خمسة آلاف رجل من ابطال المهاجرين والأنصار مدججين بالسلاح والحديد لابسين الدروع الداوديّة ، قاعدين على الجياد والإبل الحمراء .
فقال أبو سفيان : يا عباس لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما ، قال : ويحك انها النبوة .
( 2 ) ثم خرج أبو سفيان وذهب مسرعا إلى مكة ، فرأته قريش من بعيد ورأت الغبار خلفه ولم يعلموا وصول النبي بعد ، فصاح بهم أبو سفيان : ويل لكم هذا محمد في جيش كالبحر الموّاج واعلموا انّ من دخل بيتي كان آمنا ومن ألقى سلاحه فهو آمن ومن دخل البيت الحرام كان آمنا ، قالت قريش : قبّحك اللّه ، ما هذا الخبر الذي أتيت به ؟ وأخذت هند تجر لحية أبي سفيان وتقول : اقتلوا هذا الشيخ الأحمق لئلا يتكلم بهذا الكلام .
( 3 ) واجتمع جند الاسلام فوجا بعد فوج في ذي طوى ، ثم لحقهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فاجتمع المسلمون حوله ، فتذكر صلّى اللّه عليه وآله بعد ما رأى كثرة المسلمين وفتح مكة ايّام غربته ووحدته ووحدته حينما خرج منها ، فوضع جبينه الطاهر على المحمل وسجد للّه شكرا ، لانّه لما خرج من مكة وهاجر منها إلى المدينة التفت نحوها وقال : « اللّه يعلم انّني أحبك ولولا أنّ أهلك أخرجوني عنك لما آثرت عليك بلدا ، ولا ابتغيت عليك بدلا وانّي لمغتمّ على مفارقتك » « 1 » .
ثم نزل صلّى اللّه عليه وآله الحجون ( بفتح الحاء وضمّ الجيم وهو موضع من مكّة فيه قبر خديجة رضي اللّه عنها ) ودخل خيمته فاغتسل وخرج شاكي السلاح راكبا على راحلته قارئا سورة الفتح ، حتى وصل إلى البيت الحرام فاستلم الحجر الأسود بمحجنه « 2 » ، فكبّر وكبّر المسلمون معه ، بحيث دوّى صداه في جميع جبال مكة وديانها .
( 4 ) ثم نزل صلّى اللّه عليه وآله من على ناقته وتوجّه إلى كسر الأصنام التي كانت حول الكعبة ، فكان يشير
هامش
( 1 ) البحار ، ج 21 ، ص 122
( 2 ) المحجن : عصا معقفه الرأس كالصولجان ، لسان العرب