فنقول : لم ينتشر خبر عزم الإمام عليه السلام على السفر إلى العراق إلّا في أواخر أيّام مكثه في مكّة المكرمة ، وحينما كان الإمام عليه السلام في المدينة المنوّرة لم يكن قد أطّلع أحدٌ على نيّته في التوجّه إلى العراق سوى خاصة الخاصة كمثل محمّد بن الحنفية ( رض ) وأمّ سلمة ( رض ) ، وأمّا غير هؤلاء الخواصّ فإنّ الإمام عليه السلام غالباً ما كان يشير إليهم أنه متوجّه إلى مكّة في أيامه تلك ثمّ يستخير الله في أمره ، وعليه فإنّ أمثال عمر المخزوميّ هذا لم يكونوا على علم بنيّة الإمام عليه السلام في التوجّه إلى العراق منذ البدء .
هذا فضلًا عن أنّ لهذا الخبر تتمة - في رواية الطبري - على لسان المخزومي أنه « قال : فانصرفت من عنده ، فدخلت على الحارث بن خالد بن العاص « 1 » - والي مكّة - فسألني : هل لقيتَ حسيناً ؟ فقلت له : نعم .
فقال : فما قال لك ، وما قلت له ؟ قال : فقلت له : قلتُ كذا وكذا ، وقال كذا وكذا .
فقال : نصحته وربّ المروة الشهباء ! أما وربّ البنيّة إنّ الرأي لما رأيته ، قَبِلَه أو تركه . . » ، « 2 » وفي هذا دلالة كافية على أنّ هذا اللقاء كان قد حصل في مكّة المكرّمة .
لقاء جابر بن عبد الله الأنصاري ( رض ) مع الإمام عليه السلام
روى ابن كثير خبراً مرسلًا أنّ جابر بن عبد الله الأنصاري ( رض ) « 3 » كان قد
هامش
( 1 ) لم يذكره الرجاليون ، والقول بأنّه كان والي مكّة آنذاك قول نادر وضعيف ، إذ إنّ المشهور الأقوىأنّ والي مكّة آنذاك هو عمرو بن سعيد الأشدق .
( 2 ) تأريخ الطبري : 3 : 294 ومروج الذهب : 3 : 70 .
( 3 ) جابر بن عبد الله الأنصاري ( رض ) : من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين والحسنوالحسين والسجّاد عليهم السلام . وقد شهد بدراً وثماني عشرة غزوة من غزوات النبيّ صلى الله عليه وآله ، وهو من شرطة الخميس ، وكان مع عليّ عليه السلام في الجمل وصفين ، وهو من النقباء الاثني عشر ، انتخبهم رسول الله صلى الله عليه وآله بأمر جبرئيل عليه السلام ، وعدّه الإمام الصادق عليه السلام من الذين لم يغيّروا ولم يبدّلوا بعد نبيّهم وتجب ولايتهم ، ومن الذين وفوا لرسول الله صلى الله عليه وآله فيما أخذ عليهم من مودّة ذي القربى . وهو الذي ألقى نفسه على أيدي الحسنين عليهما السلام وأرجلهما يقبّلها ، ويبيّن فضائلهما . وهو الراوي عن النبيّ صلى الله عليه وآله أسماء الأئمة الاثني عشر صلوات الله عليهم وفضائلهم ومناقبهم ، وأنّ من أطاعهم فقد أطاع رسول الله صلى الله عليه وآله ، ومن عصاهم فقد عصى رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأنّ بهم يُمسك الله السماء ان تقع على الأرض ، وهو الذي ضمن الإمام الباقر عليه السلام له الشفاعة يوم القيامة ( راجع : مستدركات علم الرجال : 2 : 101 ) . وهو أوّل زائر لقبر الحسين عليه السلام ، وصاحب الزيارة المعروفة التي من نصها : « اشهد أنك ابن النبيين وابن سيّد الوصيين ، وابن حليف التقوى ، وسليل الهدى ، وخامس أصحاب الكسا ، وابن سيّد النقباء ، وابن فاطمة سيّدة النساء ، ومالك لا تكون هكذا وقد غذتك كفّ سيّد المرسلين ، ورُبيت في حجر المتّقين ، ورضعت من ثدي الإيمان ، وفطمت بالإسلام ، فطبت حيّاً ، وطبت ميّتاً ، غير أنّ قلوب المؤمنين غير طيّبة لفراقك ، ولا شاكّة في حياتك ، فعليك سلام الله ورضوانه ، وأشهد أنك مضيت على ما مضى عليه أخوك يحيى بن زكريا . . . » ( راجع : بشارة المصطفى : 74 ) وقد أثنى عليه علماؤنا ، ووثّقوه في أعلى مراتب الوثاقة ، فعلى سبيل المثال :
1 ) - قال المجلسي ( ره ) : « ثقة ، وجلالته أجلُّ من أن يحتاج إلى بيان » ( رجال المجلسي : 173 ) .
2 ) - وقال المامقاني ( ره ) : « فالرجل من أجلّاء الثقات بلا مرية . . . وقال الوحيد : لا يخفى أنه من الجلالة بمكان لا يحتاج إلى التوثيق » ( تنقيح المقال : 1 : 199 ) .
3 ) - وقال الخوئي ( ره ) : « إنّه من الأربعة الذين انتهى إليهم علم الأئمة ! » ( معجم رجال الحديث : 4 : 15 ) .