فكان خطابه مليئاً بالتهديد والوعيد ، كاشفاً بذلك عن قلقه وخوفه ، وعن قوّة المعارضة التي يخشاها ، فقد قال في خطابه بعد أن حمد اللَّه وأثنى عليه : « أمّا بعدُ ، فواللَّه ما تُقَرنُ بي الصعبة ، « 1 » ولا يُقعقع لي بالشّنان ، « 2 » وإنّي لَنَكِلٌ « 3 » لمن عاداني ، وسمٌّ لمن حاربني ، أنصف القارة من راماها . « 4 »
يا أهل البصرة ، إنَّ أمير المؤمنين ولّاني الكوفة ، وأنا غادٍ إليها الغداة ، وقد استخلفتُ عليكم عثمان بن زياد بن أبي سفيان ، « 5 » وإيّاكم والخلاف والإرجاف ،
هامش
( 1 ) الصعبة : الناقة صعبة القياد .
( 2 ) القعقعة : الصوت ، كأنه يقول : لا أدع الناس يتكلّمون ببغضي وكراهتي .
( 3 ) نكل : أي معذِّب لمن عاداني ، من النكال : أي العذاب والانتقام .
( 4 ) أنصف القارة من راماها : رجز لرجل من قبيلة ( القارّة ) ، وكانوا حُذَّقاً في الرماية ، فالتقى رجل منهم بآخر من غيرهم فقال له القاري : إنْ شئتَ صارعتك ، وإنْ شئت سابقتك ، وإنْ شئت راميتك . فقال الآخر : قد اخترتُ المراماة .
فقال القاري :قد أنصف القارة من راماها * إنّا إذا ما فئة نلقاهانردُّ أولاها على أُخراها
فرماه بسهم فشك به فؤاده .
فكأنّ ابن زياد أراد أن يدّعي : أنّ بني أميّة حُذَّق في أمور السياسة والمواجهات السياسية ، وأنّ من أراد مواجهتهم - وقد أنصفهم - لابدّ أنه سيخسر في المواجهة .
( 5 ) عثمان بن زياد بن أبيه : أخو عبيداللَّه ، توفي شاباً وله ثلاث وثلاثون سنة . ( راجع : تاريخالإسلام للذهبي : حوادث سنة 61 إلى 80 : ص 5 ) . وقد استخلفه أخوه عبيداللَّه على البصرة حين ذهب إلى الكوفة ( راجع : البداية والنهاية ، 8 : 160 ) .
ويبدو أنّه كان أهون من أخيه عبيداللَّه بكثير ، وكان إدراكه لعواقب الأمور فيه بقية من بصيرة حيث قال في محضر أخيه عبيداللَّه : « . . ولوددت واللَّه أنه ليس من بني زياد رجلٌ إلا وفي أنفه خزامة إلى يوم القيامة وأنّ حسيناً لم يُقتل » . ( البداية والنهاية ، 8 : 210 ) .