تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع لطيف أنسى في صيغ المولد النبي القدسى — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
الجلاس ، ويحب الطيب وكل ما له رائحة حسنة . ويكره الروائح الخبيثة المنتنة وكان إذا لقي أحدا من أصحابه بدأه بالسلام . والمصافحة والكلام ، وربما أخذ بيده فشابكه ثم شد قبضته عليها ، يشير بذلك لتأكد المحبة عندها ولديها . وكان يمشي مع الأرملة وهي المرأة التي لا زوج لها ، لقضاء الحوائج لديها ومع ذوي العبودية أي الرقيق كذلك لقضاء حاجته هنالك . وكان له عبيد وخدم وإماء ، لا يترفع عليهم في مأكل ولا ملبس ولا في شيء من الأشياء ، ولا يحقر مسكينا ولا فقيرا ، ولا يواجه أحدا بما يكره ولو حقيرا . ولا يهاب الملوك والأمراء . ويدعو هذا وهذا إلى اللّه دعاء مستويا لا حياء فيه ولا مراء ، وما ضرب بيده شيئا قط ولا ضرب امرأة ولا خادما إلا أن يجاهد في سبيل اللّه وما نيل منه شيء فانتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم اللّه ، فينتقم للَّه وإذا سئل أن يدعو على أحد مسلم أو كافر خاص أو عام ، عدل عن الدعاء عليه للدعاء له بالتمام . وكان يمشي خلف أصحابه في الغالب ويترك ظهره للملائكة الذين هم حزب اللّه الغالب وما سئل شيئا قط فقال لا . ولا قابل أحدا بسوء أو فحش أو قلى وما خيره اللّه أو غيره بين أمرين إلا اختار أيسرهما ، وأرفقهما لأمّته وأسهلهما . ما لم يكن إثما أو يؤدي إلى قطيعة الرحم ظنا أو جزما ، وبالجملة فقد تمم اللّه به مكارم الأخلاق ، وأوصلها فيه إلى غاية يستحيل وصولها لغيره بلا شقاق وجمع له من الخلال الحميدة والشيم المرضية . ما لم يجمع لأحد من سائر البرية . وآتاه من السير الفاضلة ، والسياسات الحسنة الكاملة ، والعلم الأول والآخر ، والباطن والظاهر ، ما لم يؤت أحدا من العالمين ، والخلائق أجمعين . وما من كمال في الوجود إلا وهو من كماله . كما أن كل جمال فيه هو من فيض جماله ، ولا يشك فاضل ولا عاقل في أن صفاته الشريفة لا تقاس بصفات غيره من خلق أو إنسان . كما أن أخلاقه الكريمة لا تقاس بأخلاق غيره من متخلقي كل زمان فحياؤه مثلا لا يقاس بحياء غيره ولو من أهل الحياء التام . بل كل حياء في مؤمن وولي ونبي هو رشح منه صلى اللّه عليه وسلم ورشف من بحره الطام . وهو عليه الصلاة والسلام الذي أحاط بالحياء كله على التمام . وهكذا يقال في كل وصف من أوصافه ونعت من نعوت كماله واتصافه ، ولذا مدحه المولى العظيم بقوله :
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ( 4 )
[ القلم : الآية 4 ] . ويقول ناعته نعتا مجملا عند عجزه عن التفصيل : لم أر ولا يرى غيري قبله ولا بعده مثله من كل كامل أو جميل ، ولم يسمع أيضا من أكابر الصحابة الكرام ، كالشيخين رضي اللّه عنهما وصفه صلى اللّه عليه وسلم بالوصف التام هيبة له وإجلالا . ولعلمهم بأنه لا قدرة لأحد على الإتيان بما يليق بجنابه الشريف رفعة وكمالا . ولم يتعاط فحول الشعراء من المتقدمين البلغاء . كأبي تمام والبحتري وابن الرومي مدحه صلى اللّه عليه وسلم . وكان من أصعب ما يحاولونه وأعسر شيء يتناولونه لأن المعاني دون مرتبته ، والأوصاف دون وصفه وصفته
مجموع لطيف أنسى في صيغ المولد النبي القدسى — صفحة 73 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى