اللّهمّ عطّر قبره بالتّعظيم والتّحيّة * واغفر لنا ذنوبنا والآثام
ولما شرع ملك الموت في قبض روحه الزكية ، أخذ جبينه في العرق من شدّة الآلام ، فقال : باسم اللّه بأعلى فصاحة لسانيّة ، وثنّى بالحمد للّه لأنه قادم على أجلّ منزلة وأعزّ مقام ، ولما نزلت به الغمرات وأخذته السّكرات الكربيّة ، قالت فاطمة رضي اللّه عنها : واكرب أبتاه ، فقال لها عليه السلام : لا كرب على أبيك بعد اليوم . هكذا رواه البخاري القدوة الإمام ، وكان فوق رأسه قدح فيه ماء فكان يأخذ منه بيده الشريفة ويمسح جبهته الوضئيّة ، وهو يتألّم ممّا حلّ به من الخطوب الجسام ، ثم جعل يقول : اللّهمّ الرّفيق الأعلى . فهو آخر كلام قاله في هذه الدّار الدّنيوية ، إلى أن انقضى ما كان
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ( 26 ) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ( 27 )
[ الرّحمن : الآيتان 26 ، 27 ] وذلك في يوم الاثنين ، فحلّ بالمسلمين ما حلّ من الكروبات التي تعجز الأقلام عن أن تضبط لها كيفيّة ، وماج الناس بعضهم في بعض فمنهم من غاب ومنهم من أغمي عليه ومنهم من أخرس ومنهم من أقعد فلم يستطع القيام ، وكان أجزع الناس كلّهم عمر بن الخطاب ، فأخذ بقائم سيفه وقال : لا أسمع أحدا يقول مات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلّا ضربته بسيفي هذا .
فيا لها من مصيبة وكربة وبليّة ، رشقت نبالها بصميم أفئدة أهل الإسلام ، فطلب الناس أبا بكر رضي اللّه تعالى عنه ، وكان غائبا ، فأقبل وعيناه تهملان وزفراته تتردّد وقد ثبّته اللّه تعالى وكم للّه من عناية ربانيّة ، فدخل على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فأكبّ عليه وكشف الثوب عن وجهه وقبّله وقال : طبت حيّا وميّتا وانقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء قبلك وجلّ مقامك عن أن تدركه الأفهام . ثم سجّاه وخرج من عنده صلى اللّه عليه وسلم وعمر يكلّم الناس يقول لهم : لم يمت خير البريّة ، فقال أبو بكر : اجلس يا عمر ، فأبى أن يجلس لما حصل له من الدّهشة والحزن واستمر على القيام ، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر فقال :
أما بعد ، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ، ومن كان يعبد اللّه فإنّ اللّه حيّ لا يموت . بعد أن تشهّد وأثنى على اللّه تعالى بكل مزيّة ، ثم قرأ :
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ
[ آل عمران : الآية 144 ] الآية ، فكأنّ الناس لم يعلموها حتى تلاها أبو بكر فتلقّاها الناس منه كلّهم على التّمام . ثم أمر بتجهيزه فشرعوا في تجهيزه مع الملائكة الروحانية ، فغسّله عليّ في قميصه والعباس وابنه الفضل يعينانه وقثم وأسامة وشقران مولاه صلى اللّه عليه وسلم يصبّون الماء وأعينهم معصوبة من وراء السّتر وهم في غاية الاغتمام ، ثم كفّنوه في ثلاثة أثواب بيض سحولية ، وصلّت عليه الرجال فرادى بعد أن صلّت عليه ملائكة الملك العلّام ، ثم صلّت عليه النّساء والصبيان بوصيّة منه في حياته الدّنيوية ، ودفن في موضع ما قبض صلى اللّه عليه وسلم ثم أحياه اللّه تعالى في قبره وتعرض عليه أعمالنا صالحة وخبيثة ،