تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع لطيف أنسى في صيغ المولد النبي القدسى — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠
والجماعة الصّحابية ، هيّن الجانب ليّنا ليس بفظّ ولا غليظ ولا مختال ولا نمّام ، ماشيا خلف أصحابه قائلا : خلّوا ظهري للملائكة الرحمانية ، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر لا ينطق في مجلسه إلّا بصدق الكلام ، عاصبا من الجوع بالحجر أمعاءه الأحشائيّة ، وبين يديه مفاتيح خزائن الأرض بما فيها من الأنعام ، وراودته الجبال أن تكون له ذهبا فلم ترض نفسه الأبيّة بل رضي حالته التي هو بها عليه الصلاة والسلام ، كامل الآداب إذا مشى في أماكن المدينة البهيّة ، مشدودا بالمئزر مرخيا على وجهه اللّثام .
اللّهمّ عطّر قبره بالتّعظيم والتّحيّة * واغفر لنا ذنوبنا والآثام
هذا ولمّا أكمل اللّه تعالى لنا ديننا وأتمّ علينا نعمته الإفضاليّة أراد تعالى أن ينقله إلى حظيرة قدسه ليكمل شرفه عليه الصلاة والسلام فأنزل تعالى عليه :
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ( 1 )
[ النصر : الآية 1 ] إلى آخرها لنعي نفسه الزكيّة ، فعند ما قال عليه الصّلاة والسلام : نعيت إليّ نفسي . وأكثر من التّسبيح والتّمجيد والاستغفار واستعدّ للنّقلة فعاش بعدها على احدى الروايات أحدا وثمانين من الأيام ، وكان ابتداء مرضه في أواخر صفر ومدّته ثلاثة عشر يوما على المشهور من الأقوال المرويّة . وقد روي أنّه لما اشتدّ كربه وتزايدت به الآلام خرج صلى اللّه عليه وسلم على أصحابه حتى صعد المراقي المنبريّة ، وودّعهم كما يودّع الوالد أولاده وعرّض باختياره لقاء اللّه تعالى ، فهاجت قلوب أهل الإسلام ، ونزل عليه جبريل بأمر عالم الخفيّة ، وقال له : يا محمد إنّ السلام يقرئك السلام ويسألك عمّا هو أعلم به من أحوالك المرضيّة ، يقول : كيف تجدك ، فأجابه صلى اللّه عليه وسلم عن هذا السؤال والاستفهام بقوله : أجدني يا جبريل مغموما وأجدني يا جبريل مكروبا ، لكثرة ما به من مقدّمات ركائب المنيّة ، ليبلغ من المقامات الرّبانية أعلى مقام ، وما زال جبريل عليه السلام يعوده لمؤانسته التّوديعية إلى أن حان الوقت الذي لعظيم مصيبته تكاد أن تذوب القلوب وتفارق الأرواح الأجسام . فنزل عليه الملك الموكّل بقبض أرواح الخلائق الوجودية ، فوقف بالباب مستأذنا فقال جبريل : يا محمد هذا ملك الموت يستأذن عليك ولم يستأذن على آدميّ قبلك ولا يستأذن على آدميّ بعدك إلى يوم القيام ، فأذن له فدخل وبدأ المصطفى صلى اللّه عليه وسلم بالتحيّة ، وقال : يا رسول اللّه إنّ اللّه عزّ وجل أرسلني إليك وأمرني أن أطيعك في كل ما تأمر ، إن أمرتني أن أقبض روحك قبضتها وإن أمرتني أن أتركها تركتها يا نور الظّلام . فقال صلى اللّه عليه وسلم : امض لما أمرت به من قبض روحي إن شئت فإني اخترت لقاء ربّ العزّة الأبديّة . فقال جبريل : يا رسول اللّه هذا آخر موطئ من الأرض إنما كنت حاجتي من الدّنيا يا غاية المرام .