لما استهل ولاح نور جماله * غمر الورى من فيض بحر نواله
فتحت لنا بطلوع شمس كماله * بالعفو والرّضوان أبواب الحمى
يا واسع الغفران يا باب الرّجا * يا ذا المراحم يا عظيم المرتجى
عبد ضعيف يرتجي منك النّجا * من هول يوم فيه يشتدّ الظّما
فهو المناويّ الذّليل المذنب * يبغي رضاك ومن به يتقرّب
تشرق به شمس الذنوب وتغرب * وفؤاده مما جناه تصرّما
ولما استقر نور محمد صلى اللّه عليه وسلم في بطن أمّه بشّرتها الأنبياء في كل شهر من شهور الحمل بالبشائر الجليلة البهيّة ، ففي الشهر الأول جاءها السيّد آدم وبشّرها في منامها بأنها حملت بشفيع المذنبين يوم الزّحام ، وفي الشّهر الثاني جاءها شيث وبشّرها في منامها بأنها حملت بدرّة بهجة الأنوار المصطفويّة التي فرّع اللّه منها جميع الأشياء وأتقنها ببدائع الإحكام ، ولما تمّ لحمله صلى اللّه عليه وسلم شهران على أصح الأقاويل الشهريّة ، توفّي أبوه عند أخواله وهو راجع من الشام ، فقالت ملائكة السماوات السبع الطباقية : ربّنا بقي نبيّك يتيما ، فقال تعالى : يا ملائكتي أنا خالقه وحافظه أينما سار أو قام . وفي الشهر الثالث جاءها نوح وبشّرها في منامها بأنها حملت بسفينة العلوم اللّدنية ، الذي أعلا عماد الإيمان ومناره أقام ، وفي الشهر الرابع جاءها الخليل إبراهيم وبشّرها في منامها بأنها حملت برسول الملّة السّمحاء الحنيفية ، الذي جاهد الكفّار والمنافقين وأبطل عبادة الأصنام .
وفي الشهر الخامس جاءها الذّبيح إسماعيل وبشّرها في منامها بأنها حملت بأفضل من نطق بالعربية الذي شرّف اللّه به زمزم والحطيم والرّكن والمقام . وفي الشهر السادس جاءها السيد داود وبشّرها في منامها بأنها حملت بمن كانت الجوامد في يده ليّنة طريّة الذي أحيا الليل بالعبادة حتى تورّمت منه الأقدام . وفي الشهر السابع جاءها السيد سليمان وبشّرها في منامها بأنها حملت بعين الأعيان الإنسانية الذي أعطاه اللّه بساط العناية وجرت بين يديه رياح الهداية وأصبحت ملائكة السماوات لحضرته من الخدّام .
وفي الشهر الثامن جاءها السيد موسى وبشّرها في منامها بأنها حملت بطور التّجليات الإلهية الذي خاطبه اللّه من فوق سبع سماوات وخفض دون مقامه كل مقام . وفي الشهر التاسع جاءها عيسى بن مريم الطاهرة العمرانية وبشّرها في منامها بأنها حملت بأفضل من حجّ واعتمر وصلّى وصام . ولما كملت عدّة أشهره أشرقت الأقطار بالأنوار المحمدية ، ونشرت له في جوانب الأرض الأعلام . ولما جاء شهر ربيع الأول الذي فتح اللّه فيه أبواب العطيّة وطلعت فيه شموس الإيمان وفتحت كنوز الإنعام ، حضرت ليلة مولده المنيرة القمريّة ، واشتدّ بآمنة الطلق بلا وجع ولا إسقام ، وكانت السيّدة وحيدة في منزلها ، فدخلت عليها النسوة الحوريّة ، ومعهنّ آسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران