لما حللت بصلب إبراهيم قد * عادت له روضا بك النّيران
وإلى الذّبيح نقلت يا خير الورى * ففداه من كأس الرّدى الرّحمن
وأبوك عبد اللّه من ذبح نجا * فأزيل عنه بجاهك الأحزان
يا خير خلق اللّه يا تاج الورى * يا من به تتشرّف الأكوان
كن للمناوي في القيامة شافعا * فلقد رماه في الرّدى العصيان
وعليك صلّى ذو الجلال مسلّما * ما اهتزّ في روض الحمى الأغصان
ولما انتقل نور محمّد صلى اللّه عليه وسلم من ظهر جدّه عبد المطلب إلى ظهر ولده عبد اللّه بن فاطمة المخزومية ، علا قدره واشتهر فضله بين الأنام وكان يتلألأ في جبينه كالكواكب الدرّيّة ، فمرّت عليه قتيلة أخت ورقة بن نوفل فدعته لنفسها فقال : لا أرضى بالحرام ، فأخبر والده عبد المطلب بما دعته إليه المرأة المسمّاة الخثعميّة ، فأخذه وتوجّه به إلى دار وهب بن عبد مناف طالبا له الحفظ والاعتصام ، والحقّ أن اللّه سبحانه وتعالى طهّر أصوله من سفاح الجاهليّة ، وشرّف بطونه والأرحام ، فتزوّج عبد اللّه بآمنة البتول المرضيّة ، وبنى بها في شعب أبي طالب فحملت بأفصح الأنبياء لسانا وأحلاهم في الكلام .
اللّهمّ عطّر قبره بالتّعظيم والتّحيّة * واغفر لنا ذنوبنا والآثام
وفي أوّل ليلة من ليالي حمله صلى اللّه عليه وسلم أغلقت أبواب الجحيم وفتحت أبواب الجنان الرّضوانية ، واطّلع الحيّ القيّوم وتجلّى برحمته ورضوانه التجلّي العام . واهتزّ العرش طربا ومال الكرسيّ عجبا وانتشرت الرايات الربّانية ، وتلألأت الكائنات بالأنوار وتنكّست على رءوسها الأصنام ، ونطقت دوابّ قريش بالمقالات العربيّة ، وقالت : حمل برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وربّ الكعبة فهو إمام الدّنيا وسراج الأنام ، وفرّت وحوش المشارق إلى وحوش المغارب بالبشائر القوليّة ، وبشّرت حيتان البحر بعضها بعضا بظهور مصباح الظّلام ، ونادى لسان حال الكائنات جاءنا اليسر بعد الشدائد العسريّة ، وظهّر إمام العدل والرّقيب من الحواسد نام ، ولم تجد أمّه في حمله وحما ولا تعبا ولا كربيّة ، ولا ثقلا ولا هزالا ولا مسّ آلام ، وكان بدء حمله صلى اللّه عليه وسلم في ليلة جمعة من الليالي الرّجبيّة ، وانتهاؤه في شهر ربيع الأول ليلة الاثنين الثاني عشر من الأيام وكان صلى اللّه عليه وسلم وهو في بطن أمّه يسبّح ويقدّس ذات ربه الوحدانية فكانت السيدة تسمع تسبيحه وتقديسه وهو في بطنها ، فسبّحوا من لا ينام .