وذلك أن أبرهة بنى كنيسة وزيّنها بأنواع الزّمرد واليواقيت النّفيسيّة وزعم أنها كبيت مكة وأراد أن تحجّها العرب في كل عام ، فأغاظه نفر من القبائل الحجازيّة ، فاشتدّ غضبه لذلك فلما أصبح أصبح وهو في كربة واغتمام ، فجمع جندا يزيد عن ستّين ألفا من الفئة الجاهليّة وبعث معهم فيلا وأرسلهم إلى مكة طالبين البيت العتيق للانهدام . فلما وصلوا إلى مكّة عجز الفيل فتخلّفوا عن دخول البلدة المحميّة ، فإذا وجّهوه إلى أيّ جهة توجّه وإذا وجّهوه إلى مكّة برك فلم يستطع القيام . فلما رأوا ما حلّ بهم من سوء نيّتهم القبيحة ، أخذوا ما لعبد المطلب من الأنعام ، فجأه الخبر فدار نور محمد صلى اللّه عليه وسلم في جبينه كالدّائرة الهلاليّة ، حتى أصبحت به أماكن مكّة كالمصابيح يزول منها الظلام ، فتوجّه عبد المطلب إلى أمير القوم ومعه بعض من السادة القرشيّة ، وسأل الأمير في ردّ ماله فردّ عليه ما أخذه الأقوام . ثم قال له : لم لم تسأل عن البيت ، فقال : المال مالي وللبيت ربّ يحميه بحمايته القويّة . فلما قصدوا هدمه أرسل اللّه عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجّيل حتى شربوا كئوس الحمام ، وبقي واحد منهم فتوجّه إلى ملكهم وقصّ عليه قصّتهم المحكية ، فكان طائره على رأسه فأسقط الحجر عليه فمات وخصّ اللّه ملكهم بالبرص والجذام ، وما زال في عقوبة إلى أن عجّل اللّه بروحه إلى الطبقات السعيريّة ، وألقاه في نار ذات عذاب شديد وانتقام ، ونصر اللّه عبد المطلب ببركة نور محمّد سيّد البريّة ، فعلا قدره واشتهر فضله بين الأنام .
اللّهمّ عطّر قبره بالتّعظيم والتّحيّة * واغفر لنا ذنوبنا والآثام
ولما كان نور محمد صلى اللّه عليه وسلم في ظهر جدّه عبد المطلب كانت تفوح منه الرائحة المسكيّة ، وكانت قريش يستسقون ببركته ويستنصرون به إذا أصابهم انهزام ، فرأى في منامه سلسلة من فضّة خرجت من ظهره حتى بلغت العنانة السماويّة ، ثم عادت شجرة خضراء فتعلّق بأغصانها جميع الأنام ، فلما أصبح قصّ ما رآه على أهل المعرفة فعبّروها له بالمقالات الحسنيّة ، وقالوا له : يخرج من ظهرك ولد تطيعه أهل السماوات والأرض ويكون للناس القدوة والإمام .
اللّهمّ عطّر قبره بالتّعظيم والتّحيّة * واغفر لنا ذنوبنا والآثام
ثم أمر بحفر زمزم في المنام ، فلما أصبح قصدها بهمّة عزميّة ، فمنعته قريش عنها وواصلوا بينهم وبينه حبل الخصام ، فتوجّهوا جميعا إلى من يفصل بينهم في هذه القضية ، فأصابهم في طريقهم ظمأ شديد حتى أشرفوا على الهلاك في الجبال والآكام ، فتفرّقت