تكون فراشا له فلتفعل . فحصبنه وقبحنه وأغلظن له وأغضت - أي سكتت خديجة على قوله - ووقر ذلك في نفسها ، فلما أخبرها ميسرة بما رآه من الآيات وما رأته هي قالت :
إن كان ما قال اليهودي حقا ما ذاك إلّا هذا . ولما عرضت نفسها عليه ذكر ذلك لأعمامه فخرج معه أبو طالب ، وقيل حمزة ، حتى دخل على أبيها خويلد ، وقيل على عمها ، فخطبها إليه فتزوجها عليه السلام وأصدقها عشرين بكرة من ماله واثنتي عشرة أوقية ذهبا ونشا « 1 » من مال عمه أعطاها له ، وحضر أبو طالب ورؤساء مضر ، فخطب أبو طالب فقال : الحمد للّه الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وضئضئ « 2 » معد وعنصر مضر وجعلنا حضنة بيته وسواس حرمه وجعل لنا بيتا محجوبا وحرما آمنا وجعلنا الحكام على الناس . ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد اللّه لا يوزن برجل إلّا رجح به ، فإن كان في المال قل فإن المال ظل زائل وأمر حائل ومحمد ممن عرفتهم قرابته وقد خطب خديجة بنت خويلد وبذل لها ما آجله وعاجله من مالي كذا وهو واللّه بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل جسيم . ثم قام ورقة بن نوفل فقال : الحمد للّه الذي جعلنا كما ذكرت وفضلنا على ما عددت فنحن سادة العرب وقادتها وأنتم أهل ذلك كله لا تنكر العشيرة فضلكم ولا يرد أحد من الناس فخركم وشرفكم وقد رغبنا في الاتصال بحبلكم وشرفكم فاشهدوا عليّ يا معشر قريش بأني زوّجت خديجة بنت خويلد من محمد بن عبد اللّه على كذا . ثم سكت ، فقال أبو طالب : قد أحببت أن يشركك عمها فقال عمها : اشهدوا عليّ يا معشر قريش أني قد أنكحت محمد بن عبد اللّه خديجة بنت خويلد . وشهد على ذلك صناديد قريش ثم لما تزوجها صلى اللّه عليه وسلم ذهب ليخرج فقالت له : إلى أين يا محمد اذهب وانحر جزورا أو جزورين وأطعم الناس . ففعل وهي أول وليمة أولمها صلى اللّه عليه وسلم .
وفي المنتقى : فأمرت خديجة جواريها أن يرقصن ويضربن الدفوف وقالت : مر عمك ينحر بكرا من بكراتك وأطعم الناس وهلم فقل مع أهلك فأطعم الناس . ودخل صلى اللّه عليه وسلم فقال معها فأقرّ اللّه عينه وفرح أبو طالب فرحا شديدا وقال : الحمد للّه الذي أذهب عنا الكرب ودفع عنا الهموم . ثم إن خديجة رضي اللّه عنها ولدت مع النبي صلى اللّه عليه وسلم ستة ، اثنان ذكران وأربعة إناث ، الأول سيدنا القاسم وبه كان يكنى النبي صلى اللّه عليه وسلم ومات في زمن الرضاع ، ثم مولاتنا زينب وهي الثانية ولدت في سنة ثلاثين من مولده صلى اللّه عليه وسلم وأدركت الإسلام وكانت زوجة لأبي العاصي وهاجرت بعد بدر وماتت وهي بنت ثلاثين سنة أول سنة ثمان من الهجرة ثم مولاتنا رقية وهي الثالثة ولدت سنة ثلاث وثلاثين من مولده صلى اللّه عليه وسلم وكانت زوجة لسيدنا عثمان ثم توفيت والنبي صلى اللّه عليه وسلم ببدر وهي بنت عشرين سنة فتزوج أختها
هامش
( 1 ) النش : نصف أوقية عشرون درهما .
( 2 ) ضئضئ : أي أصل .